رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

لماذا إعادة تاريخ مغنية أو مطربة مصرية شهيرة ارتبطت بعصرين فارقين فى تاريخ مصر الحديثة ألا وهو عصر الملكية وعصر الثورة ثم النكسة.. لماذا نحتفل بهذه الشخصية التى اجتمع عليها الوطن العربى أكثر من اجتماعه على الجامعة العربية؟ كوكب الشرق أم كلثوم شخصة ملحمية أو درامية ما بين صعود وتألق ونهاية طبيعية وحب ومرض ونواقص بشرية وتألق وجلال وصوت هبة من السماء صقلته التجربة والجهد وكوكبة من كبار الملحنين والكُتّاب والمثقفين، ومناخ فنى وثقافى ملىء بالزخم والتنافسية وحالة من الرومانسية الوطنية صاحبت هذه الموهبة الفذة..كم من الأعمال الأدبية لكتاب مثل ويليام شكسبير قُدمت برؤى وأجناس فنية متعددة ولم تنقص من قيمة ومكانة الكاتب أو النص الأصلى.. لهذا نرى العمل النقدى على أسس علمية وليس انطباعات شخصية وتوجهات ممنهجة تثير الريبة وتخلق مناخًا يرهب الأقلام النقدية المتخصصة.
الفيلم هو عمل سينمائى يختلف عن الدراما العرضية الممتدة لأكثر من ثلاثين حلقة بإجمالى ما يقرب من ١٢٠ ساعة عرض تفرد مساحات متعددة الطبقات لعمل درامى فنى عن حياة هذه المطربة الايقونة وتمتع المشاهد بفضاء رحب الحكى وتراكم الأحداث وزخم الشخصيات والمواقف والألحان والاستمتاع لمقتطفات من روائع ما شدت به الست من أغنيات على مدار أكثر من سبعين عامًا مرتبطة بوجدان وحياة وتاريخ وذكريات كل متلقٍ على حدة، وفى ذات الوقت تحكى تاريخ مصر.. أما الفيلم فهو صورة بصرية مكثفة ترتكز على التصوير والإضاءة والديكور والمونتاج والموسيقى التصويرية والإبهار الذى يتوافق مع ذائقة جمهور 2025 والذكاء الاصطناعى الذى لا يعرف عن أم كلثوم وعصرها أى شىء..فيلم الست لأحمد مراد ومروان حامد ينقسم إلى ثلاثة فصول؛ الفصل الأول من الفيلم ركز على المراحل الأولى من حياة أم كلثوم باستخدام لقطات متفرقة ما بين الماضى والحاضر بعد لحظة سقوطها على المسرح فى باريس 1968 ثم العودة إلى طفولتها فى السنبلاوين وغنائها فى الموالد والأفراح، ثم انتقالها إلى القاهرة وما تعرضت له فى مسرح البسفور وسرايا الباشا.. هذا الجزء لم يكن موفقًا من تلاحق المشاهد والموسيقى الأجنبية الايقاع لهشام نزيه فهى لا تلائم الحكى عن فلاحة مصرية تغنى أناشيد وتواشيح دينية وترتدى العقال كما الصبى، وكانت «منى زكى» فى طفولتها ثم صباها بعيدة عن روح الشخصية وروحها بالرغم من الملابس والمكياج، فقد اهتمّ المخرج بالمونتاج وحركة الكاميرا والإبهار البصرى أكثر من تقديم الشخصية فطغت التقنيات الفنية لإظهار مدى التناقض بين الحياة الرغدة للبشوات آنذاك فى الربع الأول من القرن الماضى وبين الحياة الريفية البسيطة التى عاشتها أم كلثوم.. ثم يبدأ الفصل الثانى من الفيلم وقد ظهرت سمات الشخصية أكثر نضجًا وتمكنًا من روح الست وبدا الأداء أكثر عمقًا.. وإن كانت الموسيقى تحولت تدريجيًا نحو الإيقاع الشرقى للتعبير عن النقلات الزمنية التاريخية والمشاعر الداخلية للست وهى تتألق وتصعد سلم المجد وتتمكن من صوتها وتتبلور شخصيتها المستقلة وتتخلى عن والدها وسطوته وتحاور وتجادل اخاها وتتمسك بحريتها واستقلالها وترفض زواجها من رامى ليظل أسيرًا لحبها، ثم تتحول نحو الإعلام وتشترى صحيفة تكتب بها مقالات ويساعدها الإعلام فى رحلة النجاح وهذا ذكاء الفنان كما صوره الفيلم والكاتب، ويمنحها الملك وسام الكمال لتكمل الصورة الملكية فى تفردها على عرش الغناء فى منتصف القرن العشرين بأن تقع فى حب شريف صبرى خال الملك استكمالًا لمسيرة النجاح، ولكنها تكتشف الهوة الطبقية بينهما والبعد الاجتماعى، ثم تحارب لتكون أم كلثوم أول امرأة تتولى نقابة الموسيقيين وحينها تبدأ مرحلة النضج والكبر والمرض والوحدة والصراعات النفسية الداخلية والضعف النسوى البشرى الذى يدفعها للقبول بخطبة الملحن محمود الشريف وهو أصغر منها وأقل شهرة.
الفصل الثالث والأخير من الفيلم يبدأ مع قيام ثورة يوليو ١٩٥٢ وقد رفضت إصدار بيان تأييد للحركة بعد أن غنت للملك لأنها خافت أن يتهمها الجمهور بالتلون والنفاق.. فى هذا الجزء تظهر أم كلثوم فى لحظات وحدة وضعف بعد احتجابها واستبعادها عن الساحة لمدة عام بعد الثورة وحين عودتها غنت رائعتها «مصر التى فى خاطرى» أمام مجلس قيادة الثورة وهى نقطة انطلاق وصعود جديدة لمرحلة النضج الفنى للست وتلك الأغنيات التى ما زالت تعيش معنا حتى الآن مراحل عديدة من حياتها وخاصة مرحلة دخولها عالم السينا قدم تم إغفالها، أيضًا العديد من الشخصيات التى كونت تراثها الفنى مثل زكريا أحمد وبليغ والسنباطى وبيرم لم تتم الإشارة لهم إلا أن الفيلم ركز على الجوانب الخفية والنقاط النفسية والصراعات المتأرجحة داخل الأنثى والمطربة وقد نجح فى تجسيد هذا الملمح من شخصية الست قوتها وضعفها، وحدتها وإنسانيتها، شموخها وحرصها.. عناصر التميز تصوير وحركة كاميرا وديكور وإخراج واختيار الممثلين، وإن كان السيناريو ضعيفًا فى البداية وتدخل المونتاج والنقلات السريعة بين الماضى والحاضر مربكة لتسلسل الأحداث إلا أن الجزء الأخير كان أكثر تماسكًا وتعبيرًا.
المكياج شوه الشخصية فى المراحل الأولى وإن كان جيدًا فى مرحلتى الشباب والكبر. منى زكى ممثلة قديرة ونجمة خاضت تجربة صعبة ولم ترض بتقديم اعمال بسيطة أو مكررة وقصص حب أو قتل وحاولت واجتهدت ونجحت.. جميع الشخصيات ثانوية باهتة إلا الفنان أحمد أمين له بصمة نافدة فى دور دكتور حسن الحفناوى الزوج الشرفى للست.. البناء الدرامى ركز على الجانب النفسى للشخصية والحوار فى معظم المشاهد لا يرقى إلى قيمة أم كلثوم ومكانتها، أما والمونودراما الداخلية فهى معبرة وقوية ونقطة قوة؛ لملابس جيدة وإن كانت الإضاءة خافتة تنتقل بين الأبيض والأسود والألوان. اختيار الأغنيات لم يكن موفقا وكاف فى الجزء الأول لكنه أفضل فى الجزء الثانى، حيث تنوعت الأغنيات وأفضلها أغنية النهاية مؤثرة وناجحة.. الإخراج لمروان حامد هو البطل بعد الست وأداء منى زكى... نحتاج إلى أفلام أخرى مثل الست عن شخصيات ورموز مصرية بعضها فنى وأدبى وآخر سياسى وتاريخى.. وتظل مصر ملهمة وحاضرة ومتجددة..