الندوة الدولية الثانية للإفتاء.. اجتهاد رشيد لمواجهة تحديات الواقع الإنساني
انطلقت فعاليات الندوة الدولية الثانية للأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، تحت مظلة دار الإفتاء المصرية، تحت عنوان: «الفتوى وقضايا الواقع الإنساني: نحو اجتهاد رشيد يواكب التحديات المعاصرة»، بحضور مفتي الجمهورية، ووزير الأوقاف، ووكلاء الأزهر، وقضاة كبار، ومفتين من مختلف أنحاء العالم. تأتي هذه الندوة في وقت يشهد فيه العالم تحديات متعددة، من أزمات اقتصادية واجتماعية، إلى صراعات سياسية وإنسانية، تتطلب اجتهادًا فقهيًا رصينًا يوازن بين الثوابت والمتغيرات.
الفتوى بين النص الشرعي وواقع الإنسان
أكد الدكتور نظير محمد عيَّاد – مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، في كلمته الافتتاحية، أن الندوة تعكس حرص دار الإفتاء المصرية على بناء خطاب فقهي رصين يربط بين النصوص الشرعية ومتطلبات الواقع، ويصون كرامة الإنسان ويعزز قدرته على مواجهة تحديات العصر.
وأشار مفتي الجمهورية إلى أن القرآن الكريم وضع منهجًا متدرجًا في التعامل مع الواقع عبر آيات مثل منهج «يسألونك»، الذي صاغ قواعد الفتوى وفقًا لما يضمن حماية الإنسان روحيًا وعقليًا وعمليًا، ويحقق مصالحه في الدنيا والآخرة. كما لفت إلى أهمية الفتوى الرقمية في العصر الرقمي، كونها أداة فاعلة لتعزيز الوعي وحماية الهوية القيمية، وغرس التفكير النقدي والإبداعي لدى الأجيال الجديدة.

الفتوى أداة إنقاذ ومصدراً للاستقرار
كما أكد الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، أن الفقيه الحق لا يكتفي بالحكم المجرد، بل يعي أحوال الناس ويأخذ في الاعتبار آثار الفتوى على حياتهم اليومية. واستعرض فضيلته تجارب كبار الفقهاء مثل عكرمة مولى ابن عباس، الذي كان يربط بين نصوص الوحي وفهم الواقع الاجتماعي، مؤكداً أن الفتوى الرشيدة تمثل صمام أمان للمجتمع، وتوجه السلوك بما يحقق مقاصد الشريعة ويوازن بين حفظ الأصول ومراعاة المتغيرات.
كما شدد على أهمية ربط الفتوى بقضايا التنمية المستدامة، والتكافل الاجتماعي، والفقر والجوع، بالإضافة إلى إبراز البُعد الشرعي للقضية الفلسطينية، وترسيخ البيئة الأخلاقية في مواجهة التحديات المعاصرة.

الفتوى ومسؤولية مواجهة الأزمات العالمية
فيما قال الدكتور محمود صدقي الهباش، قاضي قضاة فلسطين ومستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الدينية والعلاقات الإسلامية، أن القضية الفلسطينية تمثل محورًا أساسيًا في الوعي الإسلامي، وأن الشعب الفلسطيني صامد على أرضه رغم الاحتلال، مؤكداً أن وحدة الموقف الوطني حجر الزاوية في مواجهة الظلم، وأن المسجد الأقصى سيبقى رمزا للحق وملتقى للعزة والكرامة.
وأشار إلى أن محاولات الاحتلال لانتزاع المقدسات لن تنجح طالما هناك وعي ديني ورسالة فقهية راسخة تُذَكّر الناس بحقوقهم وتربطهم بوعد الله وبشارة رسوله.

دور الأزهر الشريف في اجتهاد الفتوى
أوضح الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، أن الفتوى ليست رفاهية معرفية، بل مهمة إنقاذ في زمن الأزمات، وأن الفتوى الرشيدة صمام أمان للاستقرار المجتمعي، من خلال توجيه السلوك، وضبط التصرفات، وبناء وعي قائم على الرحمة والعدل والمسؤولية.
وأشار إلى أن ربط الفتوى بالواقع الإنساني يعزز الهوية القيمية، ويقوي الانتماء، ويكسب المجتمع القدرة على مواجهة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، لافتًا إلى أن الأزهر الشريف يلعب دورًا محوريًا في ضبط مسار الفتوى ومواجهة فوضى الآراء، وحماية المجتمع من الانحرافات الفكرية.

الفتوى كخط دفاع للهوية والقضية الفلسطينية
أوضح مفتي الجمهورية، أن دار الإفتاء المصرية تتحمل مسؤوليتها تجاه القضية الفلسطينية، من خلال خطاب إفتائي مؤسسي يحفظ الأرض والحقوق، ويفضح محاولات التهجير والاستغلال السياسي للدين، مع ترشيد التضامن المشروع وفق ضوابط شرعية، بحيث تتحول الفتوى إلى أداة توعوية تعزز الوعي العام وتحافظ على استقرار المنطقة.
وشدد على أن الفتوى الرقمية باتت ضرورة ملحة، لتعزيز الهوية الثقافية والقيمية، وغرس الوعي بالنقد والتحليل، وتمكين الشباب من التفاعل الواعي مع التحديات الرقمية دون فقدان جذورهم ومبادئهم.
الفتوى واجب ومسؤولية
اختتم مفتي الجمهورية كلمته بالتأكيد على أن الفتوى ليست مجرد خطاب نظري، بل مسؤولية بناء وإنقاذ في زمن الأزمات، وأداة فاعلة لتعزيز الاستقرار المجتمعي، وترسيخ العدالة، وحماية القيم الإنسانية، وصون الحقوق المشروعة. وأعرب عن أمله أن تسهم هذه الندوة في ترسيخ مسار الاجتهاد الرشيد، وتعزيز دور العلماء والباحثين في خدمة الإنسان، وبناء وعي إنساني منضبط يواجه تحديات العصر بثبات وحكمة.