الخطاب الدينى أمانة عظيمة ومسئولية كبيرة، وضبط الكلمة والجملة وصحتهما فيه مع إعمال العقل فيما يقال قبل أن يقال أمر يجب أن يلتزمه كل من يتحدث فى الشأن الدينى كاتبا أو متحدثا، يقول نبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم): «مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِى الله، وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَوْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله» (صحيح البخاري)، أى ويعطى الله (عز وجل) العلم والفقه والفهم، وقد قالوا: من عمل بما علم ورَّثه الله (عز وجل) علم ما لم يكن يعلم، حيث يقول الحق سبحانه فى شأن الخضر (عليه السلام): «وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا» (الكهف:65)، ويقول سبحانه: «وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ» (الأنبياء: 79- 80) فعبر الحق سبحانه وتعالى بلفظ «ففهمناها» ولم يقل علمناها، لأن العلم شيء والفهم شيء آخر.
ويقول سبحانه وتعالى: «كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ» (يوسف: 76)، ويقول سبحانه على لسان سيدنا يوسف (عليه السلام): «لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّى إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِالله وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ» (يوسف:37)، وقال رجل للقاضى شريح رحمه الله: علمنى القضاء، فقال له شريح: القضاء فقه، القضاء لا يُعَّلم.
ولا يظن من حفظ بعض المسائل من بعض الكتب أنه قد صار حجة، أو فقيهًا، أو مرجعًا يرجع إليه وينزل على قوله أو رأيه، فالأمر أبعد وأعمق، إذ لو كان الأمر واقفًا عند حدود معرفة بعض الأحكام الجزئية بمعزل عن أصولها وسياقها وزمانها ومكانها وقواعدها الكلية والأصولية لكان الخطب هينًا والأمر جد يسير، غير أن الأمر أبعد من ذلك وأدق، فعندما دخل الإمام على بن أبى طالب (رضى الله عنه) المسجد فوجد رجلاً يتصدر مجلس العلم فسأله عن الناسخ والمنسوخ فلم يدر جوابًا، فقال الإمام عليّ (رضى الله عنه): هذا ليس بعالم، هذا رجل يقول: أنا فلان بن فلان فاعرفوني.
فإلى جانب معرفـة القواعد الأصولية، وقـواعـد الفقـه الكليـة، وعلم الحديث رواية ودراية، وعلوم القرآن وما يتفرع عنها ويدور حولها من دراسات قرآنية وأسرار بيانية وبلاغية، هناك فقه الواقع، وفقه الأولويات، وفقه المقاصد، وفقه النوازل، وفقه المتاح، وفقه الموازنات، مما لا غنى عنه للمفتى فضلا عن المجتهد، غير أننا ابتلينا فى زماننا هذا برويبضات لا هم فى العير ولا فى النفير، يريدون أن يتصدروا مجالس العلم عنوة، وأن يكونوا فى الصدارة زورًا وبهتانًا، يبحث بعضهم عن كل شاذ أو غريب، لا يعنيه إلا أن يجارى السفهاء، أو يجادل العلماء، أو يمارى الأمراء، أو يصرف إليه قلوب العامة والدهماء ويكتسب صيتا ذائعا ولو على حساب دينه ووطنه.
إن أخطر ما يواجه أى خطاب دينى هو الانحراف به عن جادة الصواب إما لعدم فهم مرامى النصوص ومقاصدها ومناط تحقيقها، وإما إيثارا لتحقيق أى منفعة على حساب دين الله عز وجل وما يقتضيه من تحقيق مصالح البلاد والعباد.
ولابد أن يدرك كل منا حق الإدراك أن ليس له إلا ما كُتِب له، وأن يوما للحساب والوقوف بين يدى الله عز وجل آت لا محالة، فنلتمس ما عنده سبحانه بحسن طاعته.
الأستاذ بجامعة الأزهر
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض