أدخلت حرب غزة العالم فى اختبار جديد للحقيقة، وللقدرة البشرية على الفهم، ولحدود الفلسفة ذاتها. مشاهد القتل الجماعى للاطفال والنساء، والتهجير القسرى، وانهيار بنايات سكنية فوق رؤوس أهلها، حولت كل نقاش نظرى إلى سؤال واحد صادم: هل يُمكن أن نواصل الحديث عن «حقيقة نسبية» بينما تُباد مدينة كاملة أمام كاميرات العالم؟
لطالما احتفت ما بعد الحداثة بالشكّ ونقد «السرديات الكبرى»، لكن حرب غزّة وضعت هذا الشكّ فى مواجهة واقع دموى يفرض نفسه. فى أوروبا، وُلدت ما بعد الحداثة من فاجعة الحربين العالميتين؛ أما اليوم فإن فاجعة غزّة — بما فيها من دمار لم تشهده مدينة منذ الحرب العالمية الثانية — أعادت طرح ومساءلة تلك الفلسفة.
قبل عقود، تحدّث جان بودريار عن عالم «الفرط–واقع» حيث تتفوّق الصورة على الحقيقة. لكن فى غزّة حدث العكس تمامًا. فالصور القادمة من القطاع — أطفال يُنتشلون من تحت الركام، أحياء تُحوَّل إلى رماد، عائلات تُباد بالكامل — كانت أكبر من قدرة أى خطاب إعلامى على احتوائها أو تزييفها.
ولم يكن الإعلام الغربى غائبًا عن محاولة صياغة رواية مريحة: «دولة تدافع عن نفسها»؛ «حرب على الإرهاب». غير أنّ سيل الحقائق المرئية القادمة من غزّة، ليلة بعد ليلة، كشف حدود هذه السرديات سريعًا. الصورة التى وُلدت لتُزيّف الحقيقة تحوّلت إلى مرآة تعكس، وبقسوة، ما يجرى على الأرض: حرب تُشَنّ على السكان المدنيين، وتدمير ممنهج لمدينة محاصرة وتجويع للآلاف الذين شردتهم هجمات اسرائيل المدعومة بأسلحة أمريكية فتّاكة.
«لن يكون هناك كهرباء، ولا طعام، ولا وقود-نحن نحارب حيوانات بشرية وسنتصرّف على هذا الأساس».
هكذا وصف يوآف جالانت وزير الدفاع الإسرائيلى الفلسطينيين. هنا تستعيد مفاهيم الفيلسوف الفرنسى، ميشيل فوكو، حول السلطة والبيوسياسة حضورها. فالحرب لم تكن مجرّد قصف، بل كانت — كما يحلّل فوكو وكما نرى فى عنصرية جالانت— عملية لإعادة تعريف فئة من البشر بوصفهم «أقلّ من إنسان»، وبالتالى «قابلين للمحو». لم يعد الأمر «ردًّا» أو «دفاعًا»، بل ممارسة سلطة ترى فى شعب خطرًا يجب تصفيته.
لقد عرّت غزّة هشاشة الفلسفات التى اعتقدت أن الحقيقة لعبة لغوية. فكشفت أن الحقيقة—حين تكون مقرونة بالدم—أشد سطوعًا من أن تُخفى، وأقوى من كل محاولات التلاعب الإعلامى. وما بعد الحداثة، بكل ما بشّرت به من شكّ وحيرة، تجد نفسها عاجزة أمام ليل غزّة الطويل؛ ليلٍ لا يحتاج إلى تنظير، بل إلى ضمير.
إننا، فى هذه اللحظة القاسية من تاريخ المنطقة، مطالبون بأن نقول بلا تردد: الإبادة ليست ردًّا، والصمت ليس حيادًا، والإنسانية ليست خيارًا سياسيًا.