العلاقة بين الديمقراطية والأحزاب السياسية علاقة جدلية، لأن ظهور الأحزاب السياسية وتطورها اقترن بتطور ظاهرة الديمقراطية، عالم السياسة الإيطالى جيوفانى سارتورى Sartori، كان يرى أن هناك علاقة ترابط وثيق بين الأحزاب السياسية والديمقراطية، وأن الوظيفة الديمقراطية الأساسية للأحزاب السياسية هى ربط المواطنين بالحكومة، وأنه لكى تمارس الأحزاب هذا الدور بفاعلية يتعين عليها أن تمنح فرصاً حقيقية لمشاركة مؤثرة لأعضاء الحزب وقادته والمنتسبين له فى عمليات صنع القرار الحزبية خاصة اختيار مرشحى الحزب للانتخابات العامة.
وإذا كانت نظريات العلم تؤكد على أنه لا وجود للأحزاب دون الديمقراطية، فالسؤال المقابل: هل يمكن للديمقراطية أن تعمل دون أحزاب سياسية؟ الإجابة التاريخية هى نعم، مرجع ذلك بعض التعريفات الخاصة بالديمقراطية المباشرة التى تنص على أن الديمقراطية المباشرة تعنى المشاركة المباشرة للجميع فى الحكم دون الحاجة لوسطاء كالأحزاب وغيرها من التنظيمات. غير أن هذا العداء تجاه الأحزاب السياسية تراجعت حدته فى القرن التاسع عشر بعدما أصبح ينظر للأحزاب السياسية على أنها ضرورة لا رفاهية.
مؤيدو أهمية العلاقة بين الديمقراطية والأحزاب يستندون إلى أن المشاركة هى جوهر الديمقراطية، وهم يرون أن الأحزاب السياسية هى أفضل المؤسسات التى تتيح للفرد المشاركة والتأثير، حيث إن قدرة الفرد فى التأثير على الحكومة تعتمد على العمل الجماعى فى الجماعات المنظمة. والأحزاب من وجهة نظر هؤلاء هى أفضل الجماعات المنظمة لمشاركة المواطنين.
على مستوى الانتخابات تعمل الأحزاب السياسية على تسهيل قدرة الناخب الفردى على الاختيار ما بين أقل عدد من البدائل وأكثرها وضوحاً وأقلها تكلفة ومخاطرة، حيث إن تجميع وحشد الرأى العام خلال الانتخابات يؤدى إلى إضفاء الشرعية، وهكذا تلعب الأحزاب السياسية دوراً مهماً فى تمكين الفرد من المشاركة بشكل أكثر كثافة فى الحياة السياسية، هذا إلى جانب العديد من الوظائف المهمة التى تقوم بها الأحزاب، فهى تعمل كقنوات اتصال بين الحكومة والمجتمع، تعبر عن المطالب، توفر القيادات.
بالنظر إلى السيطرة طويلة الأجل من جانب الأحزاب السياسية على السياسات الانتخابية، ومن ثم على البرلمانات وعملية التشريع وسن القوانين فإن دور الأحزاب «كحارس مهنى للبرلمان» ليس مجرد قضية داخلية تخص الحزب وحده لكنها ذات أهمية كبيرة للمجتمع وللديمقراطية ككل. هنا يكون السؤال المهم، إذا كانت الأحزاب السياسية تمثل أهمية قصوى لتعزيز الديمقراطية على المستوى العام، فما هو الحال إذا كانت الأحزاب هى نفسها غير ديمقراطية فى هياكلها الداخلية، إذن فالجهود المبذولة لإضفاء الطابع الديمقراطى على المجتمع مصيرها الفشل التام. لأن الأحزاب غير الديمقراطية داخلياً، لا يمكن أن تكون فاعلة ديمقراطياً على المستوى العام» لذا فالأحزاب السياسية يمكن أن تساهم فى نشر الديمقراطية بشكل إيجابى من خلال ممارساتها للديمقراطية داخلياً.
إذا ما سحبنا كل الكلام السابق على الانتخابات البرلمانية الحالية، وفى ضوء ما أسفرت عنه مؤشرات التصويت العددية لدوائر المرحلة الأولى على المستوى الفردى، نجد أننا أمام علامة استفهام كبرى حول عملية اختيار الأحزاب السياسية لمرشحيها حتى على مستوى القائمة الوطنية، وهل تمت تلك العملية بشكل ديمقراطى داخل تلك الأحزاب. أعتقد أن كثير من الأحزاب سوف تراجع هياكلها التنظيمية وحالة الديمقراطية الداخلية ما بعد انتخابات مجلس النواب. وللحديث بقية....
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض