رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحمد الشرع في البيت الأبيض، ليصبح أول رئيس سوري يزور واشنطن منذ استقلال سوريا عام ‎1946.
زيارة الشرع إلى واشنطن لم تكن مشهداً دبلوماسياً، بل جزءاً من رواية  سياسية كتب الفصل الأول فيها  علي هامش الحرب الأفغانية الروسية 
قصة  تجمع بين القوة والرمزية والمصالح والخديعة.
يبدو فيها الشرق الأوسط مرة أخرى كخشبة مسرح تتبدل عليها الأقنعة… بينما تبقى اللعبة هي اللعبة.
ففي منتصف الثمانينيات، كان الرئيس الأميركي المهووس بالحروب رونالد ريجان يسخّر كل إمكانيات بلاده العسكرية والاستخباراتية والمالية لدعم “المجاهدين” في أفغانستان بالتعاون مع دول الخليج، بهدف إلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفياتي وكسر شوكته.
بلغ حماسه ذروته حين استقبل قياداتهم في البيت الأبيض عام 1985، وفرش لهم السجاد الأحمر، وأطلق عبارته الرومانسية الشهيرة التي شبّه فيها “المجاهدين” بـ الآباء المؤسسين لأميركا.
لكن خلف مشهد المديح، كان يتكون مشهد الشرق الأوسط الذي نشاهده بتعجب اليوم

فالمترجم بين ريجان ووفد “المجاهدين” في ذلك اللقاء كان رجلًا أفغانيًا يُدعى زالماي خليل زاد — الاسم الذي سيظهر لاحقًا كسفير لواشنطن في العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003، والعقل الذي نُسب إليه الفضل في المساعدة على التفاوض بشأن تسويات سمحت بالتصديق على دستور العراق
الطائفيً الذي  ما زالت بغداد تعاني من تبعاته حتى اليوم.
وفي النهاية أنتج الرئيس السوري الحالي احمد الشرع 
فريجان دعم “المجاهدين” الذين صاروا لاحقًا طالبان، ثم القاعدة ثم داعش ، ثم جبهة النصرة، وأخيرًا هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني — الأسير السابق في السجون الأميركية بالعراق قبل أن تُفرج عنه القوات الأميركية نفسها.
و في عام 2018، وضعت إدارة ترامب مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يساعد في القبض على الجولاني. لكنه ظهر بعد سنوات باسم جديد: أحمد الشرع، بلحية مهذبة وبدلة أنيقة، ليطلّ عبر قناة CNN — قناة المخابرات الأميركية كما يصفها البعض — معلنًا أنه “في طريقه إلى دمشق لإسقاط الأسد و تحرير دمشق من النفوذ الإيراني الروسي .

يدخل أحمد الشرع الي البيت الأبيض لاول مرة 
ولكنه ليس اللقاء الأول مع ترامب 
ففي شهر مايو الماضي التقي به في الرياض عاصمة تمويل الجماعات الجهادية منذ الحرب الأفغانية وصولا لحرب سوريا الأهلية .وهدف المملكة العربية السعودية من دعم الشرع 
السعي  إلى وراثة النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان ..

والان اللقاء الثاني حيث  وصل الشرع  الي  البيت الأبيض. ..

ولكن هل بالفعل كان الهدف من اللقاء اغراء أمريكا بالاستثمار في مجال الطاقة السورية والدخول في تحالف لمحاربة داعش 
ومناقشة اتفاقية أمنية مع إسرائيل تمهيدا لتطبيع كامل .
اما هناك ما هو غير معلن و استخدام حكام سوريا الجدد كمخلب قط يحقق الاهداف الإسرائيلية الأمريكية؟ .
إسرائيل احد أبرز  المستفدين من إسقاط نظام بشار الأسد و وصول أحمد الشرع الي الحكم  .
ويمكن القول بأن من أبلغ الديكتاتور السوري بشار الأسد بالسقوط كان نتنياهو  عندما هدده قائلا انت تلعب بالنار حان دورك ونحن قادمون كان ذلك قبل تحرك احمد الشرع صوب دمشق بأيام. 
كان رحيل نظام الأسد ضرورة إسرائيلية في هذا التوقيت 
ليس لقطع الإمدادات الايرانية عن حزب الله فقط بل الأهم من ذلك تجهيز مسرح العمليات للحرب ضد إيران تلك الحرب التي اندلعت في 13 يونيو كان من المستحيل أن تبدأ في وجود نظام بشار الأسد. 
إذا لم يكن وصول أحمد الشرع الي حكم سوريا عمل مفاجئ لتل أبيب حتي تنزعج من وجوده في الحكم الذي قدم مبرر يسمح لإسرائيل بالتجول في محيط العاصمة دمشق  وفرض الحماية علي الاقليات السورية مثلما حدث مع الدوروز. 
و لاشك أن إسرائيل تتعامل بحرص مع نظام الشرع فهي لاتنسي خلفيته الجهادية وهناك خطوط حمراء لا تسمح تل أبيب لواشنطن بأن تتجاوزها في هذا الملف حتي لا تجد نفسها أمام حركة حماس جديدة 
فهي لا تنسي عندما خضعت  للمطالبة الأمريكية بإجراء انتخاباتٍ حرة في السلطة الفلسطينية عام ٢٠٠٦، والتي أسفرت عن وصول حماس إلى السلطة في غزة  مما مهد لعملية طوفان الاقصي التي اطاحت بسمعة إسرائيل عالميا 
علي خلفية جرائم الحرب والابادة التي نفذتها ضد الشعب الفلسطيني..
لذا فمن مصلحتها  استمرار  الوضع الراهن، مما يمنحها حرية التصرف والردع في اي بقعة في سوريا بعكس 
لو وقعت  اتفاقية امنية وحدها ستكون  كفيلة بتقويض الردع  وفي الوقت ذاته تعمل علي  إضفاء الشرعية على الجهاديين بسوريا ، وتمنعها من التوسع الجغرافي ..

امريكا هي الاخري المستفيد الابرز من سقوط بشار الأسد 
فذلك الحدث  يمهد لطرد روسيا من المياه الدافئة في البحر المتوسط عبر اجبارها علي مغادرة  قاعدة طرطوس البحرية.. 
وفي السياق ذاته  وجود الرئيس السوري أحمد الشرع  في الحكم  ..
بالنسبة للولايات المتحدة،  يجعل  سوريا جائزة استراتيجية  في لحظة إقليمية تتجه فيها الأمور نحو مزيد من الاضطراب:
فلبنان يتجه بوضوح نحو حالة عدم استقرار طويلة الأمد، وربما انهيار شامل للنظام السياسي والاقتصادي. اما
العراق ما يزال أرضًا خصبة للميليشيات الموالية لإيران،.

والأهم استخدام عشرات الآلاف من المجاهدين عابري القارات  المتواجدين بسوريا الآن  في تنفيذ الاجندة الأمريكية واسقاط أنظمة اخري تدين بالولاء للصين و روسيا 
فلا طريق حرير صيني دون المرور بسوريا ..

ربما المسرح الأقرب  الآن  للعمليات  هو   دولة مالي أرض الذهب والثروات المعدنية 
والتي تشهد الآن محاولة تكرار السيناريو السوري وإسقاط النظام الموالي لروسيا  وتنصيب بدلا منه نظام جديد قوام عناصر افراد تنتمي لتنظيم القاعدة التي  تحاصر العاصمة المالية باماكو  مستغلين انشغال 
حليف مالي بوتين  بالحرب في أوكرانيا والتي اجبرت روسيا بالتخلي عن تعهدها بتزويد مالي بالعتاد العسكري 
انها نفس الأجواء السياسية التي ضربت دمشق قبل سقوط بشار والتي اجبرت بوتين علي الاكتفاء بالمشاهدة ..
وليست مالي هي الهدف الوحيد في الاجندة فهناك سيناء المصرية  وعدة دول إفريقيا اخري قد تكون محطة هبوط مجاهدين قادمين من سوريا لتحقيق الاهداف الأمريكية...

 قبل يوم واحد من لقاء ترامب ظهر أحمد الشرع وهو  يلعب كرة السلة مع قائد القيادة المركزية الأميركية.
في   رسالة الأمريكية متعددة الاهداف .
فكرة السلة في الأساس هي   لعبة أميركية الاختراع والقواعد  ،استخضارها في هذا المشهد المثير  يشير  إلى  قواعد اللعبة  التي ستفرض الفترة القادمة  ستكون أمريكية بامتياز 
فتواجد قائد القيادة المركزية الأميركية يلعب مع الشرع 
يرمز للنفوذ الميداني، مؤكداً  بذلك سيطرة واشنطن على المشهد الأمني. السوري والتحكم في مستقبله 
وبينما الرئيس السوري يرمي الكرة في السلة 
في الخلفية تتشكل محمية أميركية جديدة في دمشق  تحت غطاء سيادة محلية.. 
بعد ساعات من مشهد لعب كرة السلة 
،يصل الشرع إلى البيت الأبيض من الباب الجانبي لا من المدخل الرسمي الذي يدخل منه الرؤساء عادة.
وكأن واشنطن تقول له: “لسنا مستعدين تمامًا للاعتراف بك… 
ثم اعقب  تلك اللحظة لقطة أغرب:  مشهد ترامب وهو  يرش عطراً على الشرع وهو يقول:
“رائحة عطر  النصر طيبة  
مشهد أقرب إلى طقوس تتويج قديمة منه إلى بروتوكول رئاسي، وكأنه إعادة إنتاج لأساطير  عندما يُمحى تاريخ من العنف والقتل والدم  برشة عطر من ترامب. تكون بمثابة صك غفران .
..
لقد تعددت الرسائل والاشارات الأمريكية في مشاهد هدفها تأكيد الهيمنة الأميركية علي سوريا واستخدامها كقاعدة متقدمة لتحقيق عدة أهداف جيوسياسية 
وفي الوقت نفسه تقول واشنطن في هذه الرسائل لحكام سوريا الجدد  ان تعويمكم  تحولً محدود الخطوات   وليس  تسوية كاملة.
انه أشبه بإلقاء حجر كبير في بحيرة راكدة، دون معرفة شكل الأمواج التي ستتشكل لاحقاً 
وتهدف واشنطن من وراء ذلك .
استمرار وضع النظام السوري تحت الضغوط ليقدم المزيد من الخدمات ..
وفي النهاية 
إذا نظرنا إلى لقاء ترامب  وفق ميزان الربح والخسارة  بعيدا عن الكواليس 
سنجد أن الشرع خرج من واشنطن منتصرًا بأقل ثمن ممكن:
حيّد إسرائيل وأربك حساباتها فلا يمكن لها علي الاقل في الوقت الحالي  التجول في الأراضي السورية كما كانت تفعل  حتي لا تحرج ترامب وتغضبه 
 وكذلك  حصل أيضا  على تعليق العقوبات،لمدة 180 يوم 
ونجح بذلك  في الهروب مؤقتًا من أزماته الداخلية، خاصة تصاعد الأزمة  الاقتصادية 
والأهم أصابت أكراد سوريا بالاحباط وقتل  اي طموح لديهم  في الانفصال عن دمشق .
ومن المؤكد الآن ان الكرد غاضبون من خيانة  ترامب

فالأكراد الذين خاضوا المعارك بالوكالة عن واشنطن ضد تنظيم داعش في الشمال السوري علي مدار السنوات الماضية 
ووثقوا بوعود غير معلنة  بدولة كردية في نهاية الحرب الأهلية السورية  وجدوا أنفسهم اليوم ضحية لتلك الأوهام 
تدير الولايات المتحدة ظهرها عنهم، وتتركهم وحيدين أمام تهديدات عدة على رأسها تركيا وحليفهم الرئيس السوري الحالي عضو تنظيم القاعدة السابق 
فترامب يبدوا انه  منح الشرع — بالتفاهم مع أردوغان — الحق في تقرير شكل ومستقبل شمال سوريا 
لتكرر  المأساة الكردية  فقد اثبتت الوقائع انهم  لا يتعلمون من التاريخ
و ليس لهم اصدقاء أوفياء 
فلم يكن ترامب اول من غدر بهم فقد سبقه ستالين عندما تخلي عن جمهورية مهاباد الكردية التي اعلنت عام ١٩٤٦ علي جزء من ارض ايران  تحت حماية قوات ستالين وعقب انسحاب قوات الاخير من ايران سقط الحلم الكردي و اجتاح الجيش الايراني جمهورية مهاباد الكردية واعدم قاضي محمد  اخر رئيس لجمهورية كردية وقد سبق الانجليز الجميع في الغدر بالكرد وخداعهم عقب نهاية الحرب العالمية الاولي وتخلوا عن وعودهم بانشاء جمهورية تضم كل  الاكراد نظير تعاونهم  وتحالفهم سويا في محاربة الدولة العثمانية  ..
فما اشبه الليلة بالبارحة فلم يعد للاكراد الا الجبال والريح  وهم يستحقون ذلك طالما يثقوا في وعود  إسرائيل 
ولم يدركوا الي الان انهم دائما وقود معركة  ومجرد ورقة ضغط ليس الا في اطار لعبة الامم ..
فلم تكن زيارة  الشرع إلى واشنطن مجرد بروتوكول أو مشهد سياسي عابر، بل كانت إعلانًا صامتًا عن بداية فصل جديد في رواية الشرق الأوسط.
لعبة تتقاطع فيها المصالح الأمريكية السعودية التركية 
مع اوهام، يظن أبطالها أنهم فهموا قواعد اللعبة
وتلتقي فيها الجغرافيا مع الميثولوجيا، ويُعاد فيها تشكيل الشرق الأوسط على مهل، بينما يراقب الجميع المسرح القديم بأقنعة جديدة.
 
إنه درس قاسٍ يشرح كيف تدور العجلة في هذا العالم 
في كيف تتحول الأيديولوجيا إلى سلطة، وكيف تبرر وتبارك  السياسة ما كانت تجرّمه بالأمس

وكيف  تختار الإمبراطوريات رجلاً ليحمل رايتها في الأطراف البعيدة، دون أن يفهم هذا الحاكم انه مرحلة عبثية من اللعبة .
هكذا أنتجت روما حكّامها المحليين الذين كانوا يحملون اسمها ويقاتلون لأجلها دون أن يكونوا منها.
واليوم، تبدو واشنطن وكأنها تعيد كتابة النسخة الحديثة من تلك الأساطير القديمة .