في مهرجان وهران الفني، أدلى الفنان ياسر جلال بتصريح أثار جدلاً عندما قال إن «قوات الصاعقة الجزائرية حمت الشعب المصري». هذه العبارة ليست مسألة وطنيّة فحسب بل تكشف عن خطأ تاريخي واضح يدل على غياب الإلمام الكافي بتاريخ الجيش المصرى والجهود التي سطرتها قواتنا المسلحة، ومساهمة رجالها فى معاونة الدول العربية فى تأسيس قواتها المسلحة، مثل مافعل اللواء أحمد رجائي عطية أحد أبرز أبطال الصاعقة المصرية هو من مؤسس قوات الصاعقة الجزائرية بعد استقلال الجزائر، ضمن التعاون العسكري بين البلدين في ستينيات القرن الماضي.
وهذه الحقيقة تُظهر أن مصر لم تكتفِ بتطوير قواتها الخاصة فحسب، بل ساهمت في بناء وتدريب وحدات النخبة في دول شقيقة دعماً لإستقلالها واستقرارها.
الأمر هنا لا يندرج تحت نقاش الوطنية أو النوايا الحسنة، بل تحت خانة الدقة المعرفية. فلو اطلع الفنان على بعض صفحات التاريخ العسكري، لعلم أن للمؤسسات المصرية دوراً مهماً في تطوير وتدريب وحدات نخبوية في دول شقيقة خلال مراحل حساسة من التاريخ، وما شابه ذلك من تعاونٍ عسكريٍ تاريخي يستحق أن يُروى بدقة وفخر.
قد تكون كلمات ياسر جلال زلّة لسان غير مقصودة، لكن هذه الزلّة تذكرنا بأهمية أن يتحلّى كل فنان أو شخصية عامة بثقافة عامة ووعيٍ وطني. الكلمة الصادرة عن مشاهير ووجوه عامة لها وزنها وتأثيرها في الرأي العام لذلك لا يكتفي الفنّان بأن يكون مؤدياً بارعاً أمام الكاميرا، بل يصبح من خلال مكانته وشهرته صوتاً يُسمع داخل الوطن وخارجه، ومسؤولياته المعرفية لا تقل أهمية عن مسؤولياته الفنية.
علاوة على ذلك، مكانة الفنان لا تُحسب فقط بأعماله الفنية، فكونه عضواً في مجلس الشيوخ أو مشاركًاً في أعمال ذات طابع وطني يضع عليه عبئاً إضافياً من الحذر والدقة
على من يتبوّأون مثل هذه المراكز أن يتحلّوا بالرصانة والثقافة، وأن يعرفوا متى يُعلقون الكلام ومتى يتكتمون. لقد عرفنا في الزمن الجميل فنانين كانوا نماذج للجمع بين الفن والثقافة والإلتزام،كأعضاء للبرلمان ، مثل محمود المليجي، أمينة رزق، محمد عبد الوهاب، مديحة يسري وغيرهم كانوا سفراء للفن والفكر، وكلامهم كان ذا وزن واحتدام حضاري.
نصيحتي لياسر جلال ولكل شخصية عامة: لا تتحدث في مسائل تاريخية أو وطنية إلا بعد مراجعة المصادر أو الاستعانة بالمتخصّصين. عبارة «قال لي أحدهم» أو «سمعت في مجالس» لا تكفي عندما يتعلّق الأمر بتمثيل صورة وطنية أمام جمهور واسع. الكلمة مسؤولية؛ والموقع النيابي أو الإجتماعي يفرض قدوة في الدقّة والوعي، لا مواقف قد تتسبّب في لبس أو جدل غير ضروري.
خلاصة القول: اقرأوا تاريخ وطنكم قبل أن تتحدّثوا بإسمه. التاريخ ليس مجرد ذكريات؛ بل هو هوية تشكّل الحاضر وتبني المستقبل. المراجعة والتدقيق واجب، لا خياراً.
أخيرا..
زلّة لسان في مهرجان وهران كشفت غياباً معرفياً، عندما يتحدث فنان وعضو في مجلس الشيوخ عن تاريخ بلاده عليه أن يتحرى الدقّة. الفنانون ليسوا منصة للتصريحات غير المدققة القراءة والمراجعة واجبة قبل الكلمات.
[email protected]