ع الطاير
توقيع بروتوكولي التعاون بين وزارتي الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والآثار في المتحف المصري الكبير ليس مجرد خطوة إدارية أو تقنية عادية، ولكنه حدث تاريخي يؤكد أن مصر تمضي بخطى واثقة في مشروع مصر الرقمية في زمن تتحول فيه المعلومة إلى كنز جديد والبيانات إلى سلاح ناعم في معارك النفوذ العالمي، ومن هنا تأتي مبادرة بوابة تراث مصر الرقمي كترجمة عملية لرؤية مصرية شاملة ترى في التحول الرقمي أكثر من تحديث إداري، بل أداة لإعادة تعريف الذات الوطنية أمام العالم.
هذا البروتوكول يؤكد أن الحضارة المصرية ليست مجرد رموز على جدران المعابد أو مقتنيات داخل المتاحف، ولكن يمكن أن تتحول هذه الرموز إلى محتوى رقمي عابر للحدود ويمكن للعالم كله أن يراه ويتفاعل معه بضغطة زر.
وهنا تكمن عظمة هذه الخطوة وهذا البروتوكول فهو يربط بين الثقافة والتكنولوجيا والدبلوماسية في إطار استراتيجية القوة الناعمة التي باتت إحدى ركائز السياسة المصرية الحديثة فعندما تتاح الآثار المصرية عبر منصة رقمية رسمية ليس فقط من أجل حفظها، بل استرداد رواية التاريخ من منظور مصري، بعيدًا عن التفسيرات الأجنبية التي طالما احتكرت الخطاب الأكاديمي عن الحضارة المصرية.
العبقرية أيضًا كانت في اختيار المتحف المصري الكبير كموقع لتوقيع البروتوكولين وهذه لم يكن مصادفة، خاصة أن مصر والعالم كله ينتظر الافتتاح خلال الأيام القليلة القادمة وهذا المتحف الكبير هو رمز لتلاقي الأصالة بالتجديد، تمامًا كما تسعى الدولة إلى بناء نموذج يجمع بين التراث والابتكار.
والجدير بالذكر أن البروتوكول الأول المعني برقمنة التراث، والثاني المخصص لرفع كفاءة خدمات الاتصالات داخل المواقع الأثرية، يعكسان إرادة مصرية لبناء بيئة رقمية متكاملة تخدم الاقتصاد السياحي، وتُعيد تعريف تجربة الزائر الأجنبي على أرض مصر.
لكن الأهم من ذلك أن البروتوكولين يمثلان نقلة فكرية في إدارة التراث فالماضي لم يعد تاريخًا فقط ، بل ينبض بالبيان والهوية التي لم تعد محفوظة في المتاحف بل على السحابة الرقمية.
إن ما حدث ليس مجرد تعاون بين وزارتين، بل هو تزاوج بين قطاعين استراتيجيين: الاتصالات باعتبارها محرك الاقتصاد الجديد، والسياحة باعتبارها واجهة القوة الناعمة المصرية.
فهذا المشروع يضع مصر في قلب الاقتصاد المعرفي العالمي، حيث تتحول المقتنيات الأثرية إلى أصول رقمية يمكن أن تُستثمر في التعليم، والبحث العلمي، والسياحة الافتراضية، بل وحتى في صناعات الذكاء الاصطناعى.
وهذا التوجه ظهر بوضوح في كلمة الوزير عمرو طلعت الذي تحدث عن توظيف التكنولوجيا في الحفاظ على الإرث الحضاري، بينما أكد الوزير شريف فتحي على تحسين تجربة السائح باستخدام التحول الرقمى.
لكن بين هذين التصريحين المهمين تقف رسالة سياسية أعمق: أن مصر تخوض معركة تثبيت حضورها في الفضاء الرقمي العالمي، ليس كدولة مستخدمة للتكنولوجيا، بل كصانعة محتوى وراوية للتاريخ.