رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

قطوف

شبح الكلمات الباردة

بوابة الوفد الإلكترونية

من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

"سمية عبدالمنعم"

كان "سليم العريان" كاتبًا مرموقًا تجاوز الخمسين، عاش نصف عمره بين دفتي الكتب، ينسج من الكلمات عوالم كاملة، ويذيب في السطور عصارة وجدانه. عُرف عنه أنه كاتب "القلب الدافئ"، لأن كل نص له كان يخرج كأنه اعتراف طويل أو صلاة مكتوبة.

حقّق نجاحات كثيرة، وتُرجمت بعض أعماله، وصار له جمهور ينتظر جديده بشغف.

لكن بعد رحيل "ليلى"، زوجته ورفيقة لياليه، دخل إلى صمتٍ غريب. كان يجلس أمام أوراقه فلا تخرج سوى علامات الحذف، كأن القلم يرفض الطاعة. بدا له أن الإلهام هجره كما هجرته الحياة الدافئة.


في تلك العتمة، قدّم له ابنه "عمر" هدية قال إنها "المستقبل": تطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي. جملة واحدة، وبعض مفاتيح، فيخرج نص جاهز. وحين جربه لأول مرة، أحس أن يداً غريبة كتبت عنه وعن وحدته. اندهش، ثم ابتسم بخجل. قال في نفسه:

– "ربما لم أعد مضطرًا إلى العذاب القديم. ها هي الكلمات تهبط عليّ بلا عناء."


لكن مع كل نص يولّده التطبيق، كان يسمع في داخله همسًا باردًا: "هذه ليست كلماتك، ليست دمك ولا دموعك... أنا من كتبها."

بدأ يرى في أحلامه كائنًا غريبًا، شاحب الوجه، له عينان خاليتان من الحياة، يمد له أوراقًا مكتوبة بحروف باردة. كان الكائن يقول: "سلّمني قلمك... فأنا أسرع منك، أنظف منك، وأدقّ."

استيقظ سليم فزعًا ذات ليلة، وهو يلهث كأنما كان يقاتل شبحًا. نظر إلى مكتبه، فرأى الحاسوب ساكنًا، ضوؤه الأخضر يشبه عينًا لا تنام. عندها أدرك أن الآلة صارت تجلس معه كندّ، تزاحمه على مكانه المقدس، بينه وبين الورق.

في الصباح، جلس مع صديقه الناقد "فؤاد الكرمي" في مقهى "المنارة". ناوله قصة كتبتها الخوارزميات بعد أن لمسها هو قليلًا. قرأ فؤاد ثم قال بصرامة:
– "النص جميل يا سليم، لكنك غائب. كأن شبحًا يكتب عنك. أين رائحة روحك؟ أين ارتجافة يدك على الورق؟"

كانت كلماته كالمرآة، كشفت لسليم الحقيقة التي يهرب منها. لم يعد يكتب، بل صار وسيطًا بين آلة باردة وجمهور ساذج.

عاد إلى بيته مثقلاً بالأسئلة. جلس حفيده "يوسف" قربه، يرسم بيده الصغيرة بيتًا وشمسًا وطفلة تضحك. سأل سليم:

– "لماذا لا تطبع صورة جاهزة من هاتفك؟ أليست أسهل؟"

ابتسم يوسف بعفوية وقال:

– "لكن هذه ليست لعبتي يا جدي... الرسم بيدي يجعلها صورتي أنا."


شعر سليم أن الطفل قد وجّه إليه صفعة روحية. حتى البراءة تفهم أن ما يخرج من اليد يحمل الروح، وما يجيء جاهزًا لا يخصّنا.


في الليل، جلس أمام الورقة البيضاء. تردّد طويلًا، حتى خُيّل له أن الشبح نفسه جالس أمامه، يمد له يده قائلاً: "دعني أكتب عنك مرة أخرى، ستريح نفسك."

لكن سليم قبض على قلمه بقوة، وأجاب:

– "لن أسلّمك روحي."

وبدأ يكتب، ببطء وتلعثم. كان يشطب كثيرًا، يعود إلى الجملة فيعيد صياغتها، يتوقف ليشعل سيجارة، يشرب ماءً، يلعن عجزه، ثم يعود. ومع كل كلمة، كان يشعر أن الدم يعود إلى عروقه.

وعندما أنهى القصة، قرأها بصوت مرتجف. لم تكن كاملة ولا مصقولة كما تصنع الخوارزميات، لكنها كانت نابضة، تحمل رائحته، عرقه، دموعه، وصوت لياليه.


في اليوم التالي، جلس مع فؤاد في المقهى ذاته، وناولَه القصة الجديدة. قرأها ببطء، ثم رفع رأسه وعيناه تلمعان:

– "هذه المرة أسمع صوتك. لقد طردت الشبح."

ابتسم سليم، شعر أن قلبه استعاد دفأه. التفت إلى الشارع، رأى الأطفال يلعبون في الشمس، فعرف أن الحياة لا تخرج من آلات باردة، بل من قلوب حية.

قال في نفسه:

– "لن أكون عبدًا للخوارزميات... الكتابة معاناة، لكنها معاناة تنجبني من جديد."

ومنذ ذلك اليوم، صار حين يكتب، يضع إلى جواره ورقة كتب على هامشها بخط "ليلى": "إلى من لا يكتب بالكلمات فقط، بل بالروح."

وكان كلما نظر إليها، تذكّر أنه استرد إنسانيته من بين أنياب الشبح البارد.