القرآن الكريم.. صانع أم كلثوم
كانت قراءة القرآن الكريم أول ما تبدأ به أم كلثوم يومها، حسب ما أكدت لى الست «إحسان» لبيسة كوكب الشرق، والتى كانت مغرمة أشد الغرام وأعجبه بصوت الشيخ «محمد رفعت» الذى كانت تجلس بين يديه ذاهلة عن الوجود، فقد كان القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد رفعت هو وجودها، وقد كانت تسجل له قراءته للقرآن دون علمه فقد كان لسبب أو لآخر لا يحب تسجيل صوته إلا فيما ندر، وقد كانت أم كلثوم تحذو حذوه فى كثير من التأدية الصوتية، وقد أدرك المطربون العظام أن طريقهم إلى عظمة التأدية هو حسن سماع كبار مقرئى القرآن الكريم، وقد كان للسيدة أم كلثوم قرب مع الشيخ مصطفى إسماعيل الذى كان يحضر حفلاتها، وكان يقول لها رأيه فى تأديتها المقامية، وكانت تستشيره فى بعض ألحانها، ومن عميق صلة أم كلثوم بالقرآن الكريم أن قام الموسيقار بليغ حمدى بتلحين أغنية «ظلمنا الحب» وأكثرها جمل مأخوذة من تأدية للشيخ محمد صديق المنشاوى فى أحد قراءاته، وكانت تتطابق الكثير من الجمل اللحنية مع ما تلاه وجوّده الشيخ المنشاوى، وكان المطربون يتعلمون من المشايخ طول النفس والتصرف فيه ببطء، وكيف يملأون رئتهم بالهواء لأطول زمن ممكن حتى يتمكنوا من غناء الجمل اللحنية الطويلة.
ومن شدة تأثر أم كلثوم بالشيخ المنشاوى فقد ذهبت لعزائه فى سوهاج بلدته، وهناك تسجيل متوفر على «اليوتيوب» وهى تقرأ بعض الآيات القرآنية الكريمة من سورة «إبراهيم» من قوله تعالى «رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ» وتتجلى فى قراءة أم كلثوم قدرتها الصوتية وذكاؤها التعبيرى وفق ما تقتضيه معانى كلمات الله تعالى، وقد كان حبها للقرآن الكريم مدخلا ومشجعا لها أن تغنى الأغنيات الدينية مثل «نهج البردة» و«سلوا قلبى» و«إلى عرفات الله» و«الثلاثية المقدسة» و«حديث الروح» وحتى كانت أغنية «القلب يعشق كل جميل» ضمن آخر أغنياتها.
لقد كان للقرآن الكريم أثر على أم كلثوم فى حسن مخارج الحروف، وإبانتها ووضوحها، فى أذن مستمعيها، فلولا القرآن الكريم ما كانت أم كلثوم على هذا القدر واللون، لقد مكنتها كلمات الله تعالى من التمكن من اللغة العربية، فعرفت الجميل من القبيح والعظيم من الأدنى من كلمات الشعر والأغانى، فقد رفع القرآن ذائقتها، الأمر الذى صب جميعه فى صالح غناء أم كلثوم التى أتحفت الوجود بغنائها.