رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

كيف يمكن لإنسان أن يسير فى شارع داخل وطنه أو داخل الحارة التى يقيم بها أو حتى يقود سيارته فى طريق ما وهو غير آمن على نفسه وعرضه وماله؟، يسير وهو يتوقع أن يخرج له أحدهم بسلاح أبيض ليسرقه بالإكراه، وإن قاومه سيقتله، أو تخرج له مجموعة من البلطجية ليستولوا على سيارته وكل ما معه، أو ليخطفوا الأنثى التى معه؟ كيف يمكن أن يسير مواطن فى شارع ما فيستوقفه أحدهم ليعرض عليه المخدرات بمختلف أنواعها دون خوف من الأمن؟ كيف يمكن أن تسير فتاة فى أمان دون أن تتعرض للتحرش الجسدى واللفظى؟ كيف أصبح يحدث هذا عيانًا جهارًا فى مجتمعنا المتدين بالفطرة والذى كنا نباهى به العالم بأخلاقنا وتديننا وترابطنا حين كانت عبارة «عيب عليك» هى أقصى ما نقوله لمن يحاول أن يخرج عن الآداب العامة للطريق.
أرفض أن نلقى كل تلك المصائب على الفقر، الفقر ليس مبرر أبدا لفقدان الأخلاق وتوحش النفوس واستحلال الدماء والأموال والأعراض، كم من فقراء فى مصر لم يتخلوا عن الدين القويم والأخلاق الإنسانية المحترمة ويمشون فى الأرض ليقولوا سلامًا، بل السبب الحقيقى هو البعد عن الله يا سادة، نسيان الدين وتعاليمه، عدم الخوف من الخالق ونسيان وجوده وعقابه والتبجح على شريعته وأوامره ونواهيه، إنه غياب القدوة الحسنة والسير وراء الغرائز والشهوات الدنيوية، إنه الأمن من العقاب والردع القوى فمن أمن العقاب اساء الأدب، فلا يمكن إنكار أن العديد من هؤلاء البلطجية مجرمون سابقون يعملون مرشدين سريين للشرطة ويتحامون فى صفتهم هذه لممارسة البلطجة دون خوف من العقاب، لا يمكن إنكار أن الكثير منهم يدعى أيضًا كذبًا صلتهم بمخبرين أو أمناء شرطة أو حتى ضباط ليضمنوا عدم إبلاغ المواطنين عنهم وعدم التصدى لهم، أى البلطجية يتخذون من الأمن سواء صدقًا أو كذبًا كفالة لحمايتهم من العقاب.
لقد أمر الإسلام وكل الملل بالمحافظة على خمس ضرورات وهى: الدين، والنفوس، والعقول، والأعراض، والأموال فالأصل فى الدماء أنها معصومة، والأعرض مصانة والنفوس محمية والعقول غير مهانة والأموال محفوظة، فكيف بنا فى القرن الواحد وعشرين بدلًا أن يكون شاغلنا الحديث عن التقدم والتقنية والتنمية، نعود للمربع صفر للتحدث على ألف باء وهو الأمن والأمان فى شوارعنا وبيوتنا؟، كيف سكتنا حتى تفاقمت تلك المشاهد الدامية المروعة فى مجتمعنا وأصبح «فرض القوة» يهدد كل المسالمين الآمنين من أبناء الوطن؟، كيف سمحنا بصمتنا وتهاوننا فى عودة ظاهرة انتهت منذ عقود مضت وهو بلطجى الحى أو الحارة؟، وأذكركم مرة أخرى أن الاحتلال الإنجليزى أصدر عام ١٩٠٦ قانون البوليس الأول وتم تجريم الفتونة ومصادرة أسلحتهم ومنع استخدام العصا أو النبوت فى المشاجرات، ونفذ الإنجليز فى أكبر ميادين حى بولاق الدكرور عملية أطلقوا عليها «إعدام النبوت» بمصادرة كل العصى الغليظة من الفتوات والأسواق والبيوت وإحراقها فى مشهد عام، ولوحت سلطات الاحتلال أنه سيتم الضرب بالنار والحديد لمن تسول له نفسه ممارسة أى نوع من الفتونة، فلا قوة ولا سطوة فوق قوة وسطوة جنود الإنجليز، ياللغرابة.. سلطات احتلال تقضى على البلطجة!
وعندما جاءت ثورة يوليو ١٩٥٢، تم معها رسميًا منع وجود الفتوات مع إحكام القوة العسكرية لقبضتها على البلاد وتكريس دور الشرطة والقضاء على أى قوة موازية للدور الشرطى أمنيا فى أحياء القاهرة أو غيرها، واختفت ظاهرة الفتوات فى مصر سنوات عديدة عقب ثورة يوليو حتى جاء عهد السادات والذى ظهر فيه فتوات من نوع آخر، فتوات الرأس مالية غير المنضبطة وما أفرزته من القطط السمان وما رافقهم من بلطجية لحماية هؤلاء القطط. ولعل من قرأ روايات الكاتب الكبير الراحل نجيب محفوظ السكرية، بين القصرين وقصر الشوق والتى تحولت إلى أعمال سينمائية جسدت بصدق مفعم بالواقع والدراما عصر الفتوات فى مصر، من قرأ الروايات أو شاهد الأفلام ستتكون لديه فكرة عما كانت عليه القاهرة القديمة والتى شكل فيها الفتوة علامة تميز مجتمعها خاصة فى الأحياء الشعبية، ولأن أغلبنا لم يعايش من أرض الواقع عصر الفتوات هذا، بما كانوا يفرضونه من الإتاوات المرهقة على المواطنين رغم فقرهم المدقع مقابل الحماية من شرهم ومن شر فتوات الأحياء الأخرى، فقد انبهرنا بروايات نجيب محفوظ واستمتعنا بالأفلام دون أن نتخيل مشاعر القهر والألم التى عاشها أبناء الحارات والمناطق الشعبية تحت سطوة الفتوات، ولم نكن نعتقد بالطبع أن عصر الفتوات الذى انتهى رسمياً وبإجراءات أمنية صارمة بثورة يوليو سيعود تدريجيًا إلى مصر بعد عقود من الزمن فى عصر التكنولوجيا والتقدم والسياحة على سطح القمر، لتتربع تلك البلطجة بوحشية فى قلب الأحياء والشوارع بصورة مرعبة وللحديث بقية.

[email protected]