الناصية
فى بداية الخمسينات من القرن الماضى، وصلت أحلام الشعوب العربية فى الاستقلال من الاستعمار القديم.. إنجلترا، فرنسا، إيطاليا، إلى أبعد مدى فى السماء.. وبعد 75 عامًا سقطنا على الأرض فى حضن الاستعمار الجديد.. وتضاءلت أحلامنا القديمة إلى مجرد دعاء للحصول على رغيف العيش.. وأن نموت على أَسرّتنا بدلًا من الموت تحت الأنقاض أو برصاصة فى الشارع!
صارت معركتنا معركة وجود لا معركة خلود.. معركة بقاء لا معركة ارتقاء، وارتضينا أن نكون أقل خلق الله بعد أن كنا أفضل خلقه ومن أكثرهم تحضرًا، واكتفينا بنظرات العطف والشفقة من العالم بدلًا من نظرات الانبهار والإعجاب، وذلك بعد أن أمسينا عبئًا على الإنسانية فى طعامنا وشرابنا بعد أن كنا زادها وذوادها...!
مصر وحدها من دون بقية دول المنطقة كانت ُتطعم العالم عندما يجوع، وترسل قمحها وعدسها وثومها وبصلها للمشردين فى الأرض، وتملأ بطونهم من خيراتها ومن خبرات أبنائها فى الزراعة والصناعة والعمارة.. هؤلاء الأبناء كانوا ملوكًا يرتدون صنادل من ذهب وقت أن كان العالم كله حفاوة يطاردون الحيوانات ليأكلوها قبل أن تأكلهم!
ماذا حدث؟.. ولماذا تحولت الأحلام إلى كوابيس، والاستقلال إلى استغلال، والحرية إلى استعباد، وتركنا العالم كله يتجرأ علينا وأن يفعلوا فينا ما يفعله الذئب الوضيع مع الحمل الرضيع فى الصحراء!
نحن أقدم المراكز الحضارية فى العالم، نصبح أسوأ المراكز الحضارية فى العالم.. أين ذهبت أمة بلاد الرافدين التى شهدت حضارات سومرية وأكادية وبابلية وآشورية، تركت بصماتها فى الاختراعات مثل الكتابة المسمارية والرى؟.. وأين ضاعت حضارات الخليج العربى التى على أرضها ظهرت سبأ ونجد والأنباط ومجان ودلمون؟.. وكانت تمر فيها أقدم وأشهر طرق التجارة وطرق البخور، وشهدت فنون العمارة الفريدة مثل مدائن صالح والبتراء.. ولماذا تاهت أمة أكبر حضارتين مسيحية وإسلامية علمت العالم الأخلاق؟.. لنكون آخر من يعرف فى الدين والعلم والفنون ونتحول إلى حضارات للقتل والاغتيال والسحل وسفك الدماء، وتصير أرضنا أرض الفتن، والطائفية والإرهاب والانقسامات!
كيف تحولت أحلامنا إلى كوابيس وأصبحت كل أمنياتنا العودة إلى ما كنا عليه قبل آلاف السنين، أو قبل مائة.. أو حتى عشر سنين، فنحن الأمة الوحيدة التى تريد العودة إلى الماضى وتخشى المستقبل.. الأمة الوحيدة التى تصحو كل يوم لتحفر القبور قبل أن تبنى البيوت..!
لماذا أسوأ ما فينا أصبح أفضل ما فينا والعكس صحيح.. نتحدث فى خطبنا عن العزة والكرامة ونعيش يوميًا المذلة والمهانة، نعلم أطفالنا ونطعمهم الخوف كل صباح.. ونخشى الحياة ونحتفى بقدوم الموت والنواح!
كل هذا ليس دعوة للتشاؤم ولا للإحباط، ولكنه جرس إنذار لكى نصحو من غيبوبة أحلام اليقظة، إنه بمثابة صرخات النجاة قبل أن تغرق السفينة.. وأمنية أن يغرس كل منا فسيلته اليوم ليأكل منها غدًا ويستظل أولاده وأحفاده بها بعد غد.. فهكذا تبنى الأوطان التى هى فى النهاية حزمة من الفسائل.. وليست قصورًا للحكام!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض