قطوف
ألوان زاهية لا تبعث البهجة
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
"سمية عبدالمنعم"

تشهق القابلة ثم تكبَّر الله ثلاثا حين تحمل المولودة، تقسم إنها لم ترَ مثل هذا الجمال من قبل، تخاف الأم على ابنتها، تواريها عن الجميع، تحجبها داخل الحجرة أمام أي زيارة عابرة، تضع وشاحا على وجهها الوضاء إذا ما اضطرت للخروج، تزعم أنها أوامر الطبيب كون الصغيرة تعاني من حساسية نادرة!
لكن محاولاتها المضنية باءت بالفشل، خصوصا بعد أن صار لزامٌ على الصغيرة دخول المدرسة، شاع الخبر في الشارع الهادئ، يطلقون الأعين ليروا كيف أسبغ الله الحسن الفائق على الوجه الحليبي المشرب بالحمرة، يتأملون بهاء الأخضر بالعينين في انبهار، يراقبون خصلات الذهب اللامعة وهي تتطاير كأنها خيوط الشمس، يستفسرون: البنت ملونة... طالعة لمين؟، الأم تبسط أصابعها الخمس في وجوههم: طالعة لجدتي.. أم أبويا، ثم تختم كلامها بالضرورة: لكنها مسكينة والله.. نجمها خفيف.. وعلى طول عيانة.
البنت لا تفطن لمَ يتم حبسها فيما تنطلق أختها إلى الشارع لشراء مستلزمات البيت من السوق أو اللعب، إجابة وحيدة تتمسك بها الأم:
-عشان خايفة عليكِ...
-ليه خايفة عليَّ ومش خايفة على أختي؟
تتأفف الأم:
- أختك ما حدش هيبص لها... لكن أنتِ اسم الله عليكِ ملونة....
أمام البحر... تصطف الكراسي والشمسيات لتشمل العائلة الكبيرة، تتوق الأم أن تبل قدميها، وغمس جسدها المنهك في الأمواج، تتراجع عن فكرتها ناظرة لبنتيها في حيرة، تلتقط أخت زوجها النظرة، تخبرها ألا تقلق.. سوف تراعي البنتين كأنما تراعي أولادها، تطمئن الأم... تتدثر بالأمواج، تمارس هوايتها القديمة التي طواها النسيان.
تتراقص أكياس غزل البنات ذات الألوان على صوت الزمارة، تتشبث العينان الخضراوان بها، تسير كالمجذوبة في أثر الألوان، لا تلتفت وراءها حيث العمة تطعم الصغار غير منتبهة، تبتعد الأقدام عن البحر.. وعن الناس، تتخذ مكانا نائيا..
يسألها ناظرا لشفتيها الحمراوين الشهيتين:
-عاوزة غزل البنات يا حلوة؟
-أيوة يا عمو...
-معاكِ فلوس؟
-لأ... مش معايا...
تقول جملتها مستعطفة لعله يعطيها ما تريد دون مقابل، لا تفقه أن لديها ما هو أغلى من النقود بالنسبة له، يلقي إليها الأكياس الملونة، فتتلقفها مبتهجة، تمضغ قطع السكر في نهم، يراقبها.. يسيل لعابه، يقترب منها، يرفع جلبابه، تظهر ساقاه المشعرتان، يلقي جسده عليها، تمتد يداه تعبثان بالجسد المضيء، تنبئها فطرتها بالخطر، فتدفعه بكفيها الصغيرتين، ثم يعلو صوتها الباكي في توسل:
-خلاص يا عمو... مش عاوزة غزل البنات...
لم يتزحزح عنها إلا حين شعر بوطأة أحجارٍ قاسية على ظهره، يتأوه مبتعدا، فيما تقتنص فرصتها الوحيدة للفرار بأقصى سرعة تملكها، لم تكترث لخط الدماء الذي سال من رأسها على أثر حجرٍ نزق.
تباغتها يدٍ قوية تقبض عليها، تصرخ في ذعر لولا أنها سمعت صوتا تألفه:
- ما تخافيش... كملي جري...
كان ابن عمتها الذي يكبرها بست سنوات، ركض معها حتى بلغهما التعب، أخبرها إنه عكف باحثا عنها حين غابت حتى سمع صوت استغاثتها، فلملم أحجارا ضخمة لينجدها من براثن ذلك البائع، ضمد جرحها الجائش بمنديله، قال في اعتذار:
- معلش... جرحتك من غير ما أقصد.. أنا كنت أقصده هو الحيوان...
تطلعت إليه شاكرة، تشعر بأمانٍ ما يطوقها، لكن يأخذها الهم متخيلة أمها وهي تلقنها علقة ساخنة إذا ما عرفت، وكأنما قرأ ما يشغلها، همس لها إن سرها في بئر عميق لن يطلع عليه مخلوق.
لقد كان أمينا بالفعل على السر، لم يفشه لأحد، وحتما سيكون أمينا عليها.. هكذا جال ببالها حين تقدم لخطبتها، ربما تتحرر من أغلال كثيرة فُرضت عليها منذ وُلدت، لكن أملها ترنح سريعا في عيد ميلادها السابع عشر عندما قدم لها هدية ملفوفة في ورقٍ لامع، حين حلتها متلهفة فوجئت بنقابٍ أسود، مالت عيناها نحوه في تساؤل، أشار لوجهها المليح، قال متلطفا:
-الجمال ده ما ينفعش حد يشوفه غيري... لازم تحافظي عليه... والا نسيتي اللي حصل زمان؟
تُصرف بصرها الناحية الأخرى مغتمة، تصطدم مقلتاها بالبالونات المعلقة، كانت تتبختر بألوانها كأكياس غزل البنات في يومٍ ما.
تتزوج... تنتفخ بطنها سريعا، ينقبض قلبها، تراودها الذكريات القاسية، تتردد أمام عينيها المشاهد، أكياس غزل البنات الملونة والساقين المشعرتين.. البالونات ذات الألوان والنقاب الأسود.
تضع يدها على فم زوجها لعلها تُدحض أمنيته بابنة تشبهها (ملونة)، يسألها عن سر دمعاتها، لا تمنحه إجابة.. وإنما تتحسس رأسها من جرحٍ قديمٍ لم يندمل بعد.