رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية يكتب: حب رسول الله

الشيخ الدكتور محمد
الشيخ الدكتور محمد عزت

حبُّه علينا فرض وفرضُه علينا حب، أحببناه لأنه زوج وفيّ، وأب قدوة، وابن حبيب، وجد حنون، وابن عم رفيق، وصاحب كريم، ذلك هو رسول الله الإنسان الكامل- صلوات الله وسلامه عليه.

أقسم الخالق القدير بحياته، وقال له: { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ }. وشرط اتباعه ليجبنا: { قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }.

فقبل أن تكون محبته فرضًا وواجبًا هي منا له اعترافًا بجميله ومعروفه الذي أسداه لنا حين نجانا الله بسببه من النار، ولذلك كانت محبته نجاة، أخرج البخاري ومسلم عن أنسٍ - رضي الله عنه - أنَّ رجلاً قال لرسولِ الله- صلى الله عليه وسلم -: متى الساعةُ يا رسولَ الله؟ قال: ما أعددتَّ لها؟ قال: ما أعددتُّ لها من كثيرِ صلاةٍ ولا صومٍ ولا صَدَقةٍ، ولكني أحبُّ الله ورسولَه، قال: ( أنت مع من أحببتَ ).

وفي موقف فريد هل يشعر الإنسان بالحب لمن أحبه وهو يموت؟! نرى هذا المثل في موقف سيدنا خُبَيْبٌ بن عديّ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ - أَحَدُ الْمُعَذَّبِينَ فِي اللهِ الثَّابِتِينَ عَلَى الإِيمَانِ بِاللهِ ثُبُوتَ الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، أمسك به مشركو قريش غدرًا وأرادوا قتله، يحكي في هذا سعيد بن عامر الجُمَحيّ، يقول: وقَفَ سَعِيدٌ يَطُلُّ عَلَى خُبَيْبٍ وَهُوَ يُقَدَّمُ إِلَى خَشَبَةِ الصَّلْبِ، فقال خبيب يَقُولُ: إِنْ شَئْتُمْ أَنْ تَتْرُكُونِي أُصَلّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ مَصْرَعِي فَافْعَلُوا. ثُمَّ نَظَرَ سَعِيدٌ إِلَيْهِ وَهُوَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيُصَلَّي رَكْعَتَيْنِ يَا لِحُسْنِهِمَا وَيَا لِتَمَامِهِمَا، وَسَمِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ: لَوْلا أَنْ تَظُنُوا أَنِّي أَطَلْتُ الصَّلاةَ جَزِعًا مِنَ الْمَوْت لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الصَّلاةِ. ثُمَّ رَأَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يُمَثِّلُونَ بِخُبِيْبٍ حَيًّا وَيَقْطَعُونَ مِنْهُ الْقِطْعَةَ تِلْوَ الْقِطْعَةِ، وَيَقُولُونَ لَهُ: أَتُحِبّ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ مَكَانَكَ وَأَنْتَ نَاجٍ. فيَقُولُ والدِّمَاء تَنْزِفُ مِنْهُ وَالرُّوحُ تَتَسَلَّلُ مِنْ بَدَنِهِ: وَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ آمِنًا وَادِعًا فِي أَهْلِي وَوَلَدِي وَأَنَّ مُحَمَّدًا يُوخَزُ بِشَوْكَة.

ولكن لماذا كل هذا الحب من هؤلاء الناس؟ لماذا أحبوه هكذا؟ إذا كانوا قد أحبوه لأن الله أمر بهذا، فهو أيضًا لأنه إنسان يستحق الحب، وهذا يجعلنا جميعًا نسأل أنفسنا: ما الذي يجعل الناس يجبونك؟ ما الداعي لمحبة الخلق لك؟ هذا ما يجيبه علينا سيدنا زيد بن حارثة- رضي الله عنه -، الرجل الوحيد من أصحاب النبي الذي ورد اسمه في القرآن الكريم صراحة، فيقول: قبل أنْ يُبْعَث النبي- عليه الصلاة والسلام - كنت صغيرًا وعُمري لا يزيد على ثماني سنوات أُتي بي إلى سوق عُكاظ بمكة المكرمة وباعوني عَبْدًا, لكن لماذاَ؟ لأنَّ أمي سعدى بنت ثعْلبة أرادت أن تزور قومها بني معن, وكانت تصحبني معها، فما كادت تحِلُّ في ديار قومها حتى أغارت عليهم خيلٌ لبني القيد, فأخذوا المال واستاقوا الإبل وسبوا الذراري، فكنت مع أمي في زيارة بيت جدّي, فلما جاءت الغارةٌ المفاجئة أخذتني وباعتني في سوق عُكاظ عبدًا, واشتراني حكيمُ بن حزام بن خُوَيلِد بأربعمئة درهم، واشترى معي طائفةً من الغلمان وعاد بنا إلى مكة فلما عرفت عمَّتُه خديجة بنت خُوَيلد بمقدمه زارته مسَلِّمةً عليه مرَحِّبةً به, فقال: ( يا عمَّةُ, لقد ابتعتُ من سوق عُكاظٍ طائفةً من الغلمان فاختاري أيَّا منهم تشائين فهو هديَّةٌ لكِ، فتفرَّست السيدةُ خديجةُ وجوه الغلمان واختارتني لِما بدا لها من نجابتي, ومضتْ بي, وما هو إلاَّ وقتٌ قليلٌ حتَّى تزوَّجتْ خديجةُ بنتُ خويلد من محمد بنِ عبدِ الله- صلى الله عليه وسلم -، فأرادت أن تُتحفه بهدية، فأهدت له غلامها زيد ابن حارثة، فأعتقني النبي- عليه الصلاة والسلام- فورًا، وبقِيت في بيت محمد بن عبدالله وربيت في هذا البيت الكريم.

وتكتمل الرواية وتقول: أما أُمُّه وأبوه فقد بَكَيَا عليه كثيرًا وبَحَثاَ عنه كثيرًا، وفي موسمٍ من مواسم الحجِّ قصَدَ البيتَ الحرام نفرٌ من قوم زيدٍ، وفيما كانوا يطوفون بالبيت العتيق, إذْ هم بِزَيدٍ وجهًا لوجهٍ، فعرفوه وعرفهم، وسألوه وسألهم، ولما قضَوْا مناسكهم وعادوا إلى دِيارِهم أخبروا حارثةَ أباه بِما رأوا وبما سمعوا, وقال زيدٌ لهؤلاء: ( أخبروا أبي أني مع أكرمِ والد ).

لما رجع القوم أخبروا أباه، ولم يكد حارثة يعلم مكان ابنه حتى خرج هو وأخوه إلى مكة فسألا عن محمد بن عبدالله، فقيل لهما: إنه في الكعبة- وكان النبي لم يُبعث بعد-، فدخلا عليه فقالا: يا ابن عبدالمطلب، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا، فامنن علينا، وأحسن في فدائه، فترك النبيُّ لزيد حرية الاختيار، فقال لهما: ادعوا زيدًا فخيروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء. ففرح حارثة، فقال أبوه للنبيّ: لقد أنصفتنا، وزدتنا وأحسنت إلينا. 

فلما جاء زيد سأله النبيّ: أتعرف هؤلاء؟ قال زيد: نعم: هذا أبي وهذا عمي. فقال الرسول لزيد: فأنا مَنْ قد علمت ورأيتَ صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكان الأب والعم. فدهش أبوه وعمه، وقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟! فقال زيد: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئًاما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا. فلما رأى الرسول ذلك فرح فرحًا شديدًا ودمعت عيناه، وأخذ زيدًا وخرج إلى حجر الكعبة حيث قريش مجتمعة، ونادى: يا من حضر، اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه، فلما رأى أبوه وعمه ذلك طابت نفساهما.

من بعد ذلك صار زيد لا يُعْرف في مكة كلها إلا بزيد بن محمد، فلما جاء الإسلام أسلم زيد وكان ثاني رجل يدخل في الإسلام، وظل زيد يدعى زيد بن محمد حتى نزل قوله- سبحانه وتعالى -: { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله }. فسمي زيد بن حارثة.