ﺻﺮﺧﺔ أوﻟﻴﺎء اﻷﻣﻮر المكبوﺗﺔ
اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ اﻟﺨﺎص.. ﺧﺎرج اﻟﺴﻴﻄﺮة
زيادات جنونية فى المصروفات تصل إلى 15 ألف جنيه
لم تعد زيادة المصروفات الدراسية مجرد أرقام تعلنها وزارة التربية والتعليم أو إدارات المدارس الخاصة، بل تحولت إلى أزمة تزيد أعباء كثير من الأسر بشكل مباشر، وتضعها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على مستوى تعليمى جيد لأبنائهم وبين القدرة على تدبير ميزانية البيت.
ومع بداية كل عام دراسى جديد، يجد أولياء الأمور أنفسهم أمام تحدى جديد مع ارتفاع مصروفات المدارس الخاصة والدولية، التى اصبحت ترتفع بمعدل يتجاوز قدرة أغلب الأسر على تحمله ما يضعهم فى موقف صعب بين الرغبة فى توفير تعليم جيد لأبنائهم وعدم القدرة على تحمل هذه المصاريف.
رقابة صارمة
بينما أعلنت وزارة التربية والتعليم مؤخرًا عن الزيادات بنسب محددة تتراوح بين 5% و25% حسب قيمة المصروفات، والهدف من ذلك بحسب الوزارة هو الموازنة بين حقوق المؤسسات التعليمية فى مواجهة التضخم، وحماية أولياء الأمور من أى زيادات عشوائية.
وقد صرح الدكتور بدوى علام، رئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة، أن مصروفات المدارس الخاصة تُحدد منذ اليوم الأول للعام الدراسى وتخضع لرقابة صارمة من وزارة التربية والتعليم، ويُحسب كل بند بعناية لضمان الشفافية، يتم احتساب المصروفات عبر تقسيم إجمالى تكاليف المدرسة على عدد الطلاب، مع إضافة نسبة محددة لصالح الجهة المالكة لتغطية تكاليف التشغيل وتحسين الخدمات التعليمية وتختلف نسب الزيادة بحسب قيمة المصروفات الأساسية لكل مدرسة، بهدف تحقيق التوازن بين استدامة المدرسة وحق أولياء الأمور فى تعليم مناسب لأبنائهم.
تجاهل الوزارة
ورغم ذلك فوجئ الكثيرون من أولياء الأمور بأن بعض المدارس تجاهلت القرار، وفرضت زيادات ضخمة وصلت فى بعض الحالات إلى 15 ألف جنيه إضافية على الطالب الواحد، بل وتجاوزت أحيانًا نسبة 100% من قيمة المصروفات السابقة، وتأثير هذه الزيادات لا يقتصر على الجانب المالى فقط، بل يمتد ليشمل الضغط النفسى على أولياء الأمور والطلاب فالأسر تجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب ميزانيتها، والحرمان أحيانًا من بعض الاحتياجات الأساسية، فى حين يشعر الطلاب بالضغط والقلق نتيجة التغير المستمر وارتفاع المصروفات المفاجئ.
وللتخفيف من هذا العبء، يلجأ بعض أولياء الأمور إلى البحث عن بدائل مثل المدارس الحكومية أو مشاركة الأبناء فى أنشطة أقل تكلفة، لضمان استمرار التعليم دون تعطيل حياة الأسرة اليومية.
زيادة المصروفات تفجر أزمة المدارس الخاصة
اتهمت ولية أمر ـرفضت ذكر اسمهاـ إحدى المدارس الخاصة للغات بالدقى بأنها تحولت إلى «ماكينة لنهب أولياء الأمور» بعدما فرضت زيادات وصفتها بـ «الخيالية» على المصروفات الدراسية بنسبة 40- 45% وعلى اشتراكات الباص بنسبة 120%، معتبرة أن هذه الأرقام تكشف عن فساد صارخ واستغلال كبير للأسر، وأكدت أن أولياء الأمور طرقوا كل الأبواب ولجأوا إلى مجلس الوزراء لتقديم شكاوى رسمية، لكن النتيجة كانت صادمة إذ انحاز الخط الساخن التابع للوزارة لصالح المدرسة وتم إرسال الشكاوى إلى مكتب الوزير دون أن يتلقوا أى رد حتى الآن.
وشددت على أن صمت الوزارة «فضيحة» لا تقل عن جرائم المدرسة معتبرة أن ما يجرى يمثل تواطؤًا رسميًا وحماية متعمدة لمصالح المدرسة على حساب مستقبل الطلاب، وغيابًا كاملًا للرقابة التى تحولت إلى مجرد ستار لتمرير المخالفات. وختمت بقولها إن ما يحدث فى المدرسة ليس سوى نموذج فج لحالة الفساد التى تنخر فى جسد التعليم الخاص، مؤكدة أن «الأهالى لم يعودوا يطالبون بالرقابة فقط بل بمحاسبة كل من تورط فى هذا التعتيم المريب».
وأكدت ولية الأمر أن الزيادة الجنونية فى المصروفات دفعت عشرات الأسر من مختلف المراحل الدراسية إلى اتخاذ قرار التحويل من المدرسة، بعدما أصبحت الرسوم عبئًا لا يُحتمل وأوضحت أن إدارة المدرسة بررت هذه الزيادة بقولها إنها كانت تتقدم بطلبات متكررة منذ سنوات لوزارة التربية والتعليم لرفع المصروفات، لكن هذه الطلبات كانت «مجمّدة» حتى جاء القرار بالموافقة المفاجئة فى نهاية الفصل الدراسى الثانى، تزامنًا مع تولى الدكتور محمد عبداللطيف حقيبة الوزارة، وهو ما أثار علامات استفهام كبرى حول توقيت القرار والجهات التى دفعت باتجاه تمريره رغم كل المخالفات المثبتة بحق المدرسة.
مش هاقدر اكمل
وقال أحمد حمدى، موظف بالقطاع الخاص:
أنا مش ضد إن المدرسة تزود عشان تغطى مصاريفها، بس الزيادات محتاجة تبقى منطقية وتتناسب مع دخلنا، اللى بيحصل حاليًا بيهدد استقرار البيوت والوزارة لازم يكون ليها موقف واضح وحازم مع المدارس اللى بتستغل الناس، أنا عندى ولدين فى مدرسة خاصة لغات المصاريف السنة دى زادت حوالى 12 ألف جنيه زيادة فوق اللى بندفعه كل سنة ده معناه إنى مضطر اخف من احتياجات البيت الأساسية الموضوع مبقاش تعليم ده بقى سباق على مين يقدر يدفع أكتر».
وقالت دعاء محمود، ولية أمر: «ابنى فى أول ابتدائى، ولسه صغير ومع ذلك المدرسة طالبة منى مبلغ كبير جدًا تحت بند أنشطة لو كل سنة كده، أنا مش هقدر أكمّل رغم إننا دخلناه مدرسة خاصة علشان ناخد تعليم كويس».
حق المدرسة وعبء الأسرة
قال الدكتور تامر شوقى، الخبير التربوى أستاذ التربية بجامعة عين شمس، إن المدارس الخاصة أصبحت جزءًا أصيلًا من المشهد التعليمى فى مصر، حيث تجذب أعدادًا كبيرة من الطلاب، لدرجة أن بعض المدارس لديها قوائم انتظار، ويوضح أن السبب فى ذلك هو ما تقدمه هذه المدارس من خدمات تعليمية وأنشطة متميزة، بالإضافة إلى وسائل النقل وخدمات أخرى لا تتوافر دائمًا فى المدارس الحكومية.
وأشار «شوقى» إلى أن المدارس الخاصة تُدار باعتبارها مشروعات استثمارية تسعى لتحقيق أرباح بعد تغطية التكاليف، وهو ما يجعلها ترى أن نسب الزيادة المحددة من الوزارة مبررة، خاصة فى ظل التضخم وارتفاع أسعار الخامات والأجهزة، ورغم ذلك، فإن هذه الزيادات تخضع لرقابة الإدارات والمديريات التعليمية والوزارة نفسها.
وأوضح «شوقى» أن كثيرًا من الأسر خصوصًا المتوسطة تلجأ للجمعيات وغير ذلك من الحلول لتدبير تكاليف التعليم الخاص، لكن مع الزيادات المتلاحقة قد تضطر بعض الأسر لإخراج أبنائها من المدارس الخاصة وإلحاقهم بالمدارس الحكومية، ما يخلق مشكلات مزدوجة: أولًا زيادة الكثافة فى الفصول الحكومية، وثانيًا تأثير نفسى على الطالب نفسه الذى قد يشعر بالانتقاص من مستواه الاجتماعى والتعليمى.
واقترح الخبير التربوى وأستاذ التربية بجامعة عين شمس، عددًا من الحلول لضبط مصروفات المدارس الخاصة بشكل أكثر عدلًا، من بينها:
ربط نسب الزيادة السنوية بمعدلات التضخم الحقيقية، بحيث تختلف من عام لآخر حسب الظروف الاقتصادية.
فرض أكثر صرامة لمنع المدارس من تحصيل مبالغ إضافية غير معلنة.
منح خصومات للأسر التى لديها أكثر من طفل فى نفس المدرسة.
تنويع مستويات الخدمات داخل المدرسة الواحدة، بحيث لا يضطر جميع أولياء الأمور لدفع نفس المصروفات المرتفعة.
واختتم حديثه بأن الحل الأمثل يكمن فى تحقيق توازن بين احتياجات المدارس واستقرار الأسر، عبر سياسات تعليمية أكثر مرونة ورقابة جادة، حتى لا يتحول التعليم الخاص إلى عبء لا يحتمل.
إسهام فى الحقد المجتمعى
ومن جانبها قالت ريهام عبد الرحمن، اخصائى الإرشاد النفسى والاسرى والتربوى، إن الزيادات المتتالية فى المصروفات الدراسية، خاصة بالمدارس الخاصة، خلقت فجوة واضحة داخل المجتمع، بل وأسهمت فى ظهور ما يمكن وصفه بـ «الحقد المجتمعى»، وأوضحت أن الدراسات الاقتصادية تؤكد أن عجز الكثير من أولياء الأمور عن إلحاق أبنائهم بمدارس خاصة يوسع من هذه الفجوة، ليس فقط اجتماعيًا بل وتعليميًا أيضًا، حيث تحولت العملية التعليمية إلى سوق رأسمالى قائم على مبدأ «من يدفع أكثر يتعلم أكثر».
وأضافت: «لم يعد التعليم قائمًا على التفوق أو التميز كما كان فى السابق، بل أصبح نظامًا طبقيا يعتمد على الإمكانيات المادية للأسرة وإلغاء مجانية التعليم أدى إلى اتساع الفجوة وظهور حالات كثيرة من العزوف عن التعليم، خصوصًا بين طلاب موهوبين ومتفوقين لكنهم غير قادرين ماديًا على استكمال دراستهم فى المدارس الخاصة، هذا يولّد شعورًا بالنقص ويفتح الباب أمام عزلة وتمييز اجتماعى واضح بين طلاب المدارس الحكومية والخاصة أو الدولية».
وأكدت أن هذا التمييز لم يقتصر على الحياة المدرسية، بل امتد إلى سوق العمل، إذ أصبح يُنظر إلى خريج المدارس الخاصة واللغات باعتباره الأكثر جاهزية بسبب إجادته للغات الأجنبية ومشاركته فى أنشطة متنوعة، على عكس كثير من خريجى المدارس الحكومية الذين يعانون ضعف مستوى التدريس وقلة الأنشطة. وتابعت: «المدارس الحكومية تعانى من غياب الإمكانيات والأنشطة، ما يدفع أولياء الأمور للاعتماد على الدروس الخصوصية، وهو ما يشكّل عبئًا نفسيًا وماديًا ضخمًا على الأسرة».
العدالة التعليمية
وحول الحلول، شددت ريهام عبد الرحمن، على أن العدالة التعليمية لن تتحقق إلا بعودة مجانية التعليم والاهتمام الحقيقى بالكوادر العلمية والتربوية، وأشارت إلى أهمية تفعيل مجموعات التقوية داخل المدارس كبديل عن الدروس الخصوصية، وتوفير كورسات للغات والأنشطة الفنية والرياضية بمبالغ رمزية، بما يحقق نوعًا من المساواة بين الطلاب.
كما طالبت بضرورة التزام وزارة التعليم بوضع خطة واضحة وموحدة لمصروفات المدارس تشمل الكتب والأنشطة، بحيث لا تترك مساحة للتفاوت الكبير بين ما تطلبه المدارس الخاصة وما تحدده الوزارة، وأكدت أن الاستثمار فى إعداد معلمين أكفاء سيخفف من اعتماد الطلاب على الدروس الخارجية، ويضمن ارتقاء التعليم الحكومى والخاص معًا، قائلة: «إذا أحسنا إعداد الكوادر التعليمية، سنوفر على الأسرة الكثير، وسيقتصر دور ولى الأمر على دفع مصاريف المدرسة فقط، دون الحاجة إلى أعباء إضافية».