رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

فرنسيس الأسيزى (1182–1226) واحد من أبرز الأسماء فى الذاكرة المسيحية، ليس لزهدِه وحده، بل لعلاقته الفريدة بالكائنات الحيّة، حتى لُقّب بشفيع الطيور والحيوانات والبيئة. فقد رأى فى كلّ مخلوق أخًا أو أختًا يشترك مع الإنسان فى تمجيد الخالق، وصارت قصصه مع الحيوانات جزءًا من تراثه الروحى. وقد جُمّعت هذه الروايات فى كتاب عُرف فى الغرب بعنوان Francis and the Animals، وصدر مترجمًا إلى العربية تحت عنوان «فرنسيس والحيوانات»، مقدّمًا للقارئ العربى صورة نادرة عن تديّن إنسان يعانق الطبيعة ويؤمن بقداسة الحياة فى جميع صورها.

ومن أشهر ما يُروى عنه أنّه كان يعظ الطيور فى وادى سبوليتو، فيخاطبها قائلًا: «يا أخواتى العصافير، احمدن خالقكنَّ الذى منحكنَّ الريش والأجنحة وجعل لكُنَّ الفضاء موطنًا»، فبقيت الطيور منصتة كأنها تصلّى. وفى بلدة غوبّيو واجه ذئبًا مفترسًا أرعب الأهالى، فأوقفه وأقنعه بعقد سلام مع السكان، فى مشهد بقى علامة على أن السلام قد يولد من أشرس الكائنات. وهذه كلها إشارات إلى أن الرحمة لا تتجزأ، وأن الإنسان لا يكتمل إيمانه ما لم يتسع قلبه للآخر، بشرًا كان أو حيوانًا.

فى عام 1228، أصبح فرنسيس قدّيسًا، ووُضع حجر الأساس لكنيسة بازيلكا أسيزى، لكن قصته الأبرز بالنسبة للعالم العربى تظلّ زيارته إلى مصر عام 1219، فى ذروة الحروب الصليبية. لم يحمل يومها سيفًا، بل ذهب إلى دمياط طالبًا لقاء السلطان الأيوبى الكامل، فى مشهد نادر كسر جدار العداء بين معسكرين متحاربين. المصادر الأوروبية تصوّره ضيفًا مكرّمًا فى بلاط السلطان، وقد رأى مؤرخون فى ذلك اللقاء أول حوار مباشر بين ممثل عن المسيحيين وآخر عن المسلمين حول القيم المشتركة. وما يزال هذا المشهد الدمياطى يتجدّد فى الذاكرة المعاصرة باعتباره رمزًا لقدرة الحوار على دحض منطق السيف.

فى الذاكرة العربية الكلاسيكية لم يرد اسم فرنسيس إلا عابرًا فى أخبار الفرنج والرهبان، لكن مع عصر النهضة وحركة الترجمة وُلدت صورة جديدة له، صورة ناسك يذكّر بأعلام التصوف الإسلامى مثل أبى مدين والحلاج وإبراهيم بن أدهم. وجد فيه النقّاد المقارنون صدى لتجربة الفقر الطوعى والزهد وحبّ الخليقة، ورأوا فى كتابه الشهير «نشيد المخلوقات» ـ حيث خاطب الشمس والقمر والموت بوصفهم إخوة وأخوات ـ عملًا يضع العالم كلّه فى عائلة روحية واحدة.

وحين يحتفل العالم فى الرابع من فبراير بـ»اليوم العالمى للأخوّة الإنسانية» الذى اعتمدته الأمم المتحدة عام 2020، يعود اسم فرنسيس الأسيزى بقوّة. فهو قدّيس لا يقتصر حضوره على التراث المسيحى وحده، بل يمتدّ إلى الأفق الإنسانى المشترك، شاهدًا على أن القداسة لا تُقاس بالمعجزات ولا بالطقوس، بل بقدرة الإنسان على أن يرى فى الآخر أخًا، وفى الكون كلّه عائلة واحدة تتسع للجميع.