قطوف - نقد
"رأيت ما لا يجوز لك"، د. طارق الطيب.. البحث عن عوالم جديدة لبناء رواية مختلفة
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
"سمية عبدالمنعم"

لا تكتب الرواية لمجرد الحكي، وليس السرد هدفاً لذاته مالم يكن مقترناً بالفلسفة والفن والجمال. هذا هو ما يقتنع به دون شك د. طارق الطيب ذلك الروائي المتميز الذي يبحث دائماً عن كل جديد ممكن في بناء الرواية العربية. وإن لم يكن ذلك التجديد متاحاً فهو يعمد إلى ابتكاره لنصبح أمام نوع مختلف من الكتابة والحكي، ذلك ما نجده جلياً في روايته الأخيرة "رأيت ما لا يجوز لك. "
لقد تجاوز طارق الطيب في هذه الرواية ما ألفناه من تحويل المأساة إلى دراما خلاقة وجميلة كما أبهرتنا روايته "وأطوف عارياً"، ثم خرج عن إطار مزج الأسطورة بالفكرة الفلسفية الذي طالعناه في "لهو الإله الصغير" لنصبح أمام قالب مختلف ونمط سردي جديد يذيب الفوارق بين الواقع والخيال، وتنصهر فيه جميع اللغات في بوتقة واحدة دون أن تفقد نكهتها الخاصة، بينما يبزغ دور الحوار متعدد الأطراف أو الديالوج الخارجي ليهيمن على الأحداث دون ملل بعدما كان المونولوج الداخلي هو البطل دائماً في رواياته السابقة. في هذه الرواية المختلفة عما سبقها نجد قدرة الشخوص على الحديث عن الذات قد صارت أقوى من ذي قبل بشكل أكثر ترتيباً وبلغة خاصة جداً تكشف المخبوء من جوانب الضعف الإنساني الذي يعد هاجساً يؤرق فيما يبدو كاتبنا المتميز.
" رأيت ما لا يجوز لك"
أكان الرائي هو " بلال " بطل الرواية المتنقل بين عالمين .. عالم البرزخ المكتظ بالمشاهدات والأسرار الغريبة وعالم الواقع الذي ضاع فيه الزمن بين ماض محبب وحاضر مضن ومستقبل غامض، فصار متردداً في أيهما ستكون سعادته؟ لا يمكنك الجزم بذلك.
إن تلك الإشكالية العصية على الفهم المتمثلة في المعرفة حين تصبح قيداً، والرؤية أو البصيرة حين تصبح سراً لا ينبغي أن يصرح به إلا لمن كان يملك "المأذونية"، هي أزمة خلقتها الرواية لتجعلنا نلهث في محاولة للفهم، لماذا قد نمتلك في داخلنا تلك الرغبات الشريرة دون أن نمتلك القدرة على التصريح بها إلا في صورة "الكابوس" أو الهلوسة لندعي أنها لم تكن في الأصل تنتمي لعالم الواقع، ولذلك كان البرزخ هو العالم الأجدر بالإفصاح عنها في صورة حكايات مروية يمكن للجميع أن يستمع إلى راويها دون تأنيب له أو اتهام بالإثم أو رميه بالخطيئة !
تمتلئ الرواية بالثنائيات الجميلة، "بلال" بطل الحكاية و"سريد" حامل مفاتيح الجبانة، أو يمكننا التعبير عنهما بالرائي والمفسر، ثم مجموعة من ثنائيات الحب الممنوع: الخالة "رحمه" وزوج الأخت "نديم الحبار" .. والزوجة "جنات" وأخو الزوج الذي عاش في المخيلة حبيباً لكنه لم يدنس الجسد أبداً بالخطيئة .. ثم مجموعة مشوقة من الأساطير المبتكرة التي أجاد طارق الطيب توظيفها في فصول الرواية لتعبر عن رؤيته الفلسفية حول العديد من المسلمات والأعراف والتقاليد الشرقية أحياناً والغربية أحياناً أخرى لتمثل تجسيداً لتفاعله بين الثقافتين في الجنوب والشمال ورغبته الدائمة في استكشاف الغامض من جوهر الإنسان الباحث عن هويته في عالم متغير دائم التقلبات.
تبدأ الرواية في زيارة لإحدى الجبانات حيث تتجاور قبور البشر من ديانات مختلفة يجــــــتازها "بلال" رفقة "سريد" لتتحول فضاءاتها إلى شبه مسرح ذي إضاءات مختلفة تتساقط بؤر الضوء به على شخوص تروي ما كان مخبوءاً من حكاياتها، سرد ليس لمجرد قضاء الوقت فالزمن هنا لا نهائي وإنما هو حكي يهدف لإزاحة الأثقال التي يراكمها الكتمان فوق الصدر فيصبح البوح بها نوع من الارتياح أو ربما الاعتراف المطهر للنفوس .. وربما كان ذلك هو السبب فيما حاولت الرواية أن تبرر به ذلك التسامح والنقاء الذي يعيشه أهل البرزخ والسابح فيه من أرواح.
ولأن العنوان الرئيس هو البحث عن عوالم جديدة لبناء روائي مختلف كما قلت فإن السارد هنا ـ نقلاً عن الروائي ذاته ـ قد ضفر لنا الحكاية بمزيج من الأقاصيص والروايات الفرعية المكتملة أحياناً والتي ينقص بعضها الاكتمال في رمزية لتلك الحياة التي نعيشها دون إلمام بما خفي من أسباب أقدارها ومجرياتها. هي تقنية جديدة صاغها طارق الطيب في سرده المتجدد دائماً لتصبح الرواية عقداً فريداً تكونه مجموعة من الحكايات القصيرة المتتالية والمتشابكة، تحمل في طياتها عبقاً من الشرق والغرب، الواقع والأسطورة، وأخيراً دلالات لا تنفصل عن الحكاية الأم والحبكة الرئيسية.
وبينما تتكشف لبلال نديم الحبار كل الأسرار و تزول الحجب فيرى ما لا يجوز له من مشاهدات العالم البرزخي وتصبح معرفته أسراً عليه التقيد به؛ فلا يمكن له الخروج من هذا العالم بما دونته ذاكرته أو حتى تلك الكاميرا الصغيرة في هاتفه.. تنتهي بنا الرواية في مهد تكوين البطل، وذلك البيت الذي تربى به صغيراً .. وعاش فيه كبيراً يرعى والده المصاب بداء الألزهايمر .. لنتفاجأ بزمن آخر لا هو من الماضي ولا هو المستقبل بكل تأكيد، فها هو البيت العتيق قد تحول إلى ما يشبه الأطلال، مجرد جدران مهترئة أصاب حجراتها التصدع وترابها العطن فلم يبق من حجراته وعالمه إلا مجموعة من القصاصات الورقية تتساقط عند قدمي البطل المأزوم حاملة له خطوطاً وكلمات كتبها أبوه في زمن لا معلوم متسائلاً ومتمنياً في آن واحد:
(أين أنت يا بلال؟ أنا في خير. أريد أن أراك بعد غيابي!)
يا لجمال الحكاية حين تروى بلغة شاعر ويسردها الكاتب بريشة فنان يرى في الرواية إطاراً للوحة ممكنة تبصرها العين فترى كل ما يجوز .. أو لا يجوز لها أن تراه.