قطوف
أمواج
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
"سمية عبدالمنعم"

على شواطئ الذكريات يجلس فى شرفة كابينته المتواضعة يرقب موج البحر أمامه..
باسما وغليونه مستقرا بين شفتيه ..
البحر أمامه ..
والذكرى تتلاشى فى مد وجزر الأيام عليه ..
ينفث أنفاسا سحبها صدره فيزفرها دخانا ..
فالحياة صارت مجرد محكية يمكن أن يتلوها على غيره ..
لحيته الكثة وشاربه الكثيف رسما بشيبتهما وقاره أسفل الكاب الأبيض القديم ..
رقت نظراته مستمعا لنوارس البحر ..
فحنينه لأيام الشركة البحرية اليونانية للنقل تربطه بما مضى ..
قبطان أعالى البحار ..
من جاب العالم باحثا عن السعادة ..
عن الهروب ..
أم لعلها الحرية ..
أحب الكثيرات ..
بل كان له فى كل ميناء حبيبة ..
ولكل حبيبة أسطورة ..
رحلت تلك الأيام ..
وبقى هو ذلك العجوز ..
أحب البحر ..
منذ الصبا ..
لعل كان ذلك منذ أن رحل والده فى قلب اليم باحثا عن صيده ورزقه ..
لكن الأزرق الواسع لم يمهله الكثير ..
ومنذ صباه صار يقف سائلا البحر عن والده ..
وتذكر كلمة نوتى عجوز قال له كى يخفف عنه ..
عليك بالبحث عنه بنفسك ..
ولهذا قرر أن يفهم طلاسم البحر ..
فعمل به لعله يستطيع أن يجد من رحل ...
وإلى اليوم لا يزال غائبا ..
أم تراه رحل عن دنيانا ..
تنهد متبسما .. مضيقا عينيه حادجا الأفق..
والنسمات تحمل له روائح موانىء العالم من توابل وعطور وخمور ..
لحم مقدد ..
أسماك مملحة ..
وكيف كان التبغ يعلق بفمه ..
حينما كان يلوكه مع سجائره الملفوفة ..
ضحكاته كانت تشق السماء ..
حتى حينما رفضته ابنة القبطان الفرنسى زوجا .. واعتبرته مجرد نزوة ..
هو قبطان حياته ..
البوهيمى ..
سيد مصيره ..
حينما يجوع يأكل ..
حينما يتعب ينام ..
حينما يفرح يرقص ..
وحينما يحزن يبكى ..
أحب الكون ..
حتى فى قلب العواصف .. لم يأبه ..
بل كان يصرخ كلما ارتفع الموج هازئا بإله البحر الخرافى بوسايدون شاتما إياه بكل الكلمات البذيئة مختلفة اللغات التى تعلمها من البحارة الذين قابلهم فى حياته المهنية ..
وتدرج حتى وصل لمرتبة القبطان فى سفينة شحن صغيرة ..
لكنه لم يبق فى القيادة كثيرا ..
فمن مثله ليس أهلا للمسؤلية ..
ولهذا تم ايداعه للإحالة مع شيك به مبلغ مخصوم منه الضرائب ..
فشعر بأنه قد شاخ على أن يعود للبحر بعدما رفض أن ينزل تحت إمرة غيره ..
بل آثر أن يقود قاربه البسيط فى الحياة ..
قارب بمجدافين يكفى لشخص واحد ..
فجدف به حتى شاطئ هادئ لا يؤنسه سوى حنين الأيام ..
بعدما تلونت حلة فكره بأكثر من رقعة ولهجة وفكر لم ترضيه زوجة محلية محدودة الأفق لترعاه ..
بل تمنى عروس البحر التى حلم بها منذ صباه .. والتى كانت ترافق خياله مع الأيام ..
بصق التبغ الذى سحبه مع أنفاسه ليطرق غليونه فى القائم الذى سند سقف كابينته به ثم أخرج سجائر بنية ليرفعهما نحو البحر باسما ..
واحدا له ..
والآخر لصديقه وخصمه اللدود ..
البحر ..
وبينهما الأيام ..
لكنه كان مثابرا فى صراعه ..
أم لعلها كانت جنحة سلم ..
أو ربما هدنة !! ..
لن نعرف أبدا السبب ..
لإن ضحكته الواسعة حملت ألف معنى ومعنى .. مثلما شهدت عيناه مع البحر آلافا من الأيام ..