قطوف
الشيطانة أمي
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
"سمية عبدالمنعم"

كانت أمي كلما حاوطت رأسها الأصوات التي لا يسمعها غيرها، تقذف بي في صندوقها الصدفي المزين بالقاع بفستان لم أستطع في الظلام أن أعرف لونه أو شكله.
في بداية الأمر كنت أموت رعبًا داخله ولم أكن أعلم طول المدة التي أمكث فيها، أنهنه ببكاء مكتوم وأنفاس تركل صدري حتى أغط في سبات عميق. أفيق وأنا بجوارها، كأن شيئا لم يحدث.
كنت في الخامسة من عمري عندما بدأت أمي بالصراخ فجأة واضعة يدها على أذنيها تكلم مجهولين وتأمرهم بالسكوت فأصواتهم أشبه بمزامير شياطين تدق طبلة أذنها وتهز عظيماتها الوسطى.
تنهار ممسكة بكفي بعنف وتجرني جر البعير الخائف من الذبح لتقذف بي داخل فجوة زمنية معتمة ليس لها ملامح.
بمرور الشهور بات الصندوق جزءا مقدسا في يومي،
إلا من خمسة أيام كل شهر لم تجرؤ الشياطين فيها على الاقتراب من إشعال الضجيج في رأسها، وعوضًا عنها كانت تشعلها في أعصابها ومزاجها يبدأ بالتقلب. الشيء الوحيد الثابت، صراخها المعتاد في.
عندما وصلت للسابعة تأقلمت مع فجوتي الزمنية المظلمة، أعددت العدة التي تجعلني صديقا وفيا لمربع أو مستطيل لا أدري أبعاده الهندسية ولم تكن تفرق معي. أحضرت كشافًا بلاستيكيًا حصلت عليه في أحد أكياس (الكاراتيه)، وأخذت ملأ جيوبي من نفس الكيس. لأول مرة أدخل بحماس داخله، كنت متلهفا لاكتشاف أربع زوايا وأرضية يكسوها خرز ولؤلؤ لم أدرك أبدا سوى ملمسها.
أُدخلت إلى قوقعتي وبدأت أكتشف عالمي الضيق، بالكاد أرى بعيون كشافي فستان ساتان أبيض مُطرز الرقبة و أطراف الأكمام، تحسست ما تحته فأمسكت بورقة سمكها غليظ بالمقارنة بأوراق دفاتر واجباتي المدرسية.
قلبتها ظهرًا ووجها مرتين وثلاثًا، ولم أكن قادرا على فك شفراتها سوى من اسم والدي الذي عرفته بالشبه،
إذ كان لابد من أن أحفظ اسمي الثلاثي عند دخولي المدرسة، هذا الاسم الذي لطالما كان مصحوبا باللعنات والبصق كلما تكرر أمام أمي.
فكرت كثيرًا كيف أخرج بهذه الورقة المشفرة؟
طويتها مرات عدة بأشكال مختلفة ولكنها كانت مجسمة داخل جيبي. بهتت إنارة كشافي على عقلي فاهتديت لفكرة، وضعتها بالعرض ملاصقة لجلدي من أسفل صدري إلى آخر بطني، خرجت ودسستها في العمود النحاسي لسريري. كان يحاوطني بأربعة عمدان يغلق سقفه ستارة بيضاء رمادية يكسوها التراب المحمل بذنوب النائم تحتها.
وصلت للعاشرة ونسيت أمرها، شغلتني لعبتي الجديدة لسنتين؛ اختلست مقصًا وكلما دخلت صندوقي قصصت مقدار إصبع من صديقي الساتان، يظل يسمعني ويحتويني وأجرحه قبل أن أغرق في نومي كالمعتاد.
وكان عامي الحادي عشر بمثابة بلوغي الهم الذي اعتبرته أمي سن الرشد. فجأة قررت انفصالي عن قوقعتي، وعوضا عنها أصرت على أن تلحقني بدكان عم منعم الخياط في فترة مسائية تنتهي في الحادية عشرة.
لم أعارضها في أي قرار، كنت لها بمثابة عروسة ماريونت لا روح ولا كلام، تلف خيوطي على أصابعها وتفعل ما تشاء. تضعني هنا وتقذف بي هناك، حتى إن نومي كانت تتحكم فيه. عاشت طوال طفولتي تُسقيني أدوية السعال التي تسبب النعاس لتتخلص مني وقت حضور شياطينها.
تشيد قريتنا بأخلاق أمي، فمنذ اختفاء أبي غير المفهوم وانقطاع أخباره، وانتقالنا للعيش في الشارع الخلفي لمكان عملها في حمام النساء، وكل من يعرف أمي ينشد الشعر في سلوكها الطيب، إذ لم يتردد على منزلنا أي رجل.
كان كل زوارنا نساء تعرفن عليها في الحمام، وأغلبها كانت في الليل أثناء وردية عملي. ويومًا عدت قبل موعدي بساعتين، شممت رائحة دخان سجائر كثيف ورأيت ملابس داخلية لثلاث نساء مبعثرة بالطول وكأنها تقودك للغرفة الوحيدة بمنزلنا.
لو كذبت أنفي كيف لأذني أن تنكر أصواتهن، سحبت ساقي بصعوبة من يمشي على رمال تغرز بقدمه ويُتعتع في رفعها. سقطت مقرفصًا بجوار ماكينة الخياطة، كيف أُرقع مصيبتي؟ كيف أخيط سنين عمري التي صُدِعت في لحظة كمن يشق جلبابه ويلطم وجهه. دار داخلي صراع يمتد طوله أمتارا أطول من كل أقمشة الوكالة.
في ليلة سوداوية كانت أولى تجارب أمي لدواء السعال كمنوم لي، قبل أن أغيب عن الوعي سمعت شجارها مع أبي، حلم أو تهيؤات لا أدري سوى أنني استيقظت ولم أجده من وقتها. ذاك الرجل ذو الطباع التي لا يحتملها كلب من كلاب الشارع فما بالكم بابن آدم؟
طوال عمري أتساءل لماذا أوجدني الله؟ لِم اختار لي تلك الحياة؟ ركلني الخياط اللعين فأعادني لدكانه ولا تفتأ رائحتها العطنة تُذكرني بغرف البدروم التي تنقلنا بها كثيرًا قبل استقرارنا. طوال عشر سنين نتظاهر أنا وهي وكأن شيئا لم يكن، أصبح الأمر واقعا. كل شيء من بداية خلقي كنت مسيرًا فيه، لم أكن يومًا مخيرًا حتى في طعامي. بلغت العشرين وحان الوقت للاختيار ولم أجرؤ على الخروج عن دائرتها. عملت معها بالحمام، اسم الوظيفة مكيساتي لكني في الحقيقة عاهرة ذكر. تخبئني في غرفة لراغبات الحرام وتتقاضى عني أجرا أكبر.
لو علمت الأخريات بوجودي لقاطعن حمامها النجس، صرت أنا وهي أنجس من بعض.
تستلقي على طاولتي النساء واحدة بعد أخرى ويد خفية بداخلي تحركني، تُدلك هنا وتفرُك هناك، يد تتلذذ بقرصة وتربيته، تسرع وتبطئ. يد أخرى تحرك أصابعي من داخل قفاز التكييس، يد سرية أعرفها كما أعرف صاحبتها؛ الشيطانة التي لفظتني لعالم لا أنتمي له، عالم شياطينها الملعون.
ظننتني اخترت، ولكن في الواقع تذيلت بجلبابها وصاحبت شياطينها