فى زمنٍ تتسارع فيه الأيام، وتتراكم فيه الهموم كالجبال، ويعلو فيه ضجيج الحياة حتى يكاد يطغى على صوت الفطرة... وسجية النقاء ويهوى بها إلى وادٍ سحيق كان هناك إنسان، يبتعد عن الله، يتوه فى دروب الحياة ينتابه صراع داخلى، يبحث عن معنى، لم يكن شريرًا، ولا جاحدًا... بل فقط تائه مغترب النفس تائه بين شاشات متنوعة لا تنام، وقلوب لا تهدأ، وأفكار لا ترحم، مغترب النفس فيما له وما عليه، وذاته الضائعة بين كل ما سبق، يمضى يومه منشغلًا بكل شىء فهو فى سباق لا ينتهى إلا روحه التائهة فى زحام دوامة الحياة، شعر فجأة بأنه تائه... ليس عن طريقٍ، بل عن نفسه.
كل يوم يبدأ وينتهى بلا معنى. يضحك، لكنه لا يشعر بالفرح. ينام، لكن قلبه لا يهدأ. تحيطه وجوه كثيرة، لكنه فى داخله... وحيد جدًّا.
وهذا هو التيه الحقيقى...
فهو لم يكن عاصيًا بمعنى الكلمة، لكنه ترك الصلاة منذ سنوات، ظنًّا أنها «ليست ضرورية الآن». لم يقرأ القرآن إلا نادرًا، ومع كل انشغال جديد، دفن صوته الداخلى.
وذات ليلة انطلقت الشرارة الأولى فى رحلة التيه والصراع الداخلى عندما جلس شاردًا وحيدًا هو ونفسه.
وتبادر السؤال إلى ذهنه:
«ماذا لو متُّ الآن؟»
لم يكن السؤال جديدًا، لكنه فى تلك الليلة كان مختلفًا.
أخذ يتذكر أيام طفولته، حين كان يدعو الله ببراءة، يصلى بخشوع، ويبكى خوفًا من النار وشوقًا للجنة.
تسير الأمور من حوله، ويتغيّر كل شىء... لكنه لم يكن سعيدًا.
كان يعيش، نعم، لكنه بلا حياة.
وكانت البداية الحقيقية
عندما توضأ لأول مرة بعد غياب عن الصلاة، فشعر بأن الماء يغسل قلبه لا يديه ولا وجهه فقط.
فتح المصحف، وبدأ القراءة وإذا بآية كأنها كُتبت له، كأنها ناقوس يدق فى عالم النسيان ويحمل البشرى والأمل والاطمئنان:
«قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ...» (الزمر:٥٣)
بكى كأنه يسمعها لأول مرة.
وشعر بأن الله لم ينسه أبدًا... بل كان ينتظره
و هنا كانت نقطة التحول
لم يتحول من التيه إلى اليقين من ليلةٍ واحدة، لكنه بدأ.
صلاة الفجر صارت له موعدًا، وصار القرآن له رفيقًا، ولم تختفِ الذنوب كلها... لكنها بدأت تضعف.
كان كلما تعثر، عاد إلى الله.
وكلما أخطأ، استغفر الغفور الرحيم.
علم أن الله لا يريد الكمال، بل يريد الصدق فى العودة إليه.
لقد انتهى زمن التيه... وحان زمن العودة فى ظل كل مغريات الحياة وتقلباتها، فى عالمٍ امتلأ بالصخب، والتشتت، والشك... لقد وجد غايته وجد فى الإيمان سكونًا.
وفى التوبة معنى.
وفى الله وطنًا لا يُهدم، وملجأ لا يُغلق، وحبيبًا لا يخذل.
قد تكون أنت أو أنا هذا الإنسان... أو شخص تعرفه.
لكن اعلم:
مهما ابتعدنا، الله أقرب إلينا مما نتصور أقرب إلينا من حبل الوريد.
العودة إلى رب العالمين لا تحتاج أوراقًا، ولا مواعيد... فقط «نية داخلية» و«خطوة جدية».
وستجده يفتح لك أبواب السماء كلها. ستدرك حينها أن التيه لم يكن فى الخارج... بل فى قلبك. وأن اليقين ليس وهمًا، بل هو نورٌ يهبه الله لمن يطلبه بصدق.
«وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» (البقرة:١٨٦)
رحلة الإنسان من التيه إلى اليقين هى الرحلة الحقيقية...
هى رحلة من الظلمة إلى النور، من الحيرة إلى الطمأنينة.
وختامًا «الرجوع إلى الله... راحة لا توصف إذا كنت فى زمن التيه فاعلم أن الله ينتظرك بلطفه فقط أقبِل».
الأستاذة بجامعة الأزهر الشريف
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض