رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مجانين الشوارع

بوابة الوفد الإلكترونية

قلوب ضائعة على الأرصفة

استمرار ظاهرة المشردين رغم مساعى تطوير المستشفيات

مرضى فى العراء بدون تشخيص أو ملفات علاجية

د. وليد هندى: المريض النفسى يحتاج إلى وعى لا شفقة

د. سامية خضر: تخاذل العائلة.. بداية طريق الانحراف

 

 

فى قلب المدن، وعلى هامش الحياة، يعيشون دون اسم أو مأوى، بلا وثائق أو أدوية أو سند، رجال ونساء وأطفال يحملون فوق أكتافهم بؤسًا ثقيلًا، وداخل صدورهم أرواحًا تصرخ دون صوت، ليسوا مجرمين، ولا مشردين بالمعنى القانونى، إنما هم مرضى نفسيون ومضطربون عقليًا، لفظهم الواقع القاسى، فوجدوا فى الشارع «مصحة مفتوحة» بلا أسوار، ولا طبيب، ولا رعاية، إنهم «مجاذيب الشوارع».

رصدت «الوفد» الواقع من الشارع لوجوه فقدت العنوان وعقولًا أنهكها الزمن أو الخذلان، وشاهدنا مشاهد مؤلمة تبكى القلوب قبل العيون، امرأة خمسينية تجلس فى الشارع تضحك بصوت عالٍ وتحدث من لا يُرى، ومشهد آخر لشاب عشرينى ممزق الملابس، ينظر بعينين زائغتين إلى المارة، يصرخ فجأة ثم يصمت، وفى لقطة ثالثة، يتخذ طفل صغير من الرصيف فراشًا ومن كرتونة مأوى.. مشاهد مؤلمة أصبحت مألوفة فى شوارعنا، لا تثير استغراب أحد، ولا تحرك ساكنًا لدى المسؤولين.

ورغم الجهود المعلنة من وزارة الصحة وبعض المحافظات لتطوير مستشفيات الطب النفسى، ورغم حملات الإيواء الموسمية، إلا أن ظاهرة مجانين الشوارع ما زالت تتفاقم دون حلول دائمة أو سياسة وقائية واضحة فلا توجد قاعدة بيانات موحدة لهؤلاء المرضى، ولا خطة واضحة لإعادة دمجهم فى المجتمع، أو توفير دور إيواء آمنة ومجهزة تأهيليًا.

فهم مرضى بلا تشخيص دقيق، بلا ملفات علاجية، يتنقلون بين الأرصفة والميادين، ينامون فى العراء، يفتشون فى القمامة، ويواجهون قسوة الطقس والناس والقدر إنهم ضحايا لثلاثية القهر: المرض، والفقر، والإهمال المؤسسى.

عم «رجب» رجل تجاوز السبعين من عمره، اتخذ من أحد الكبارى مأوى له، يكلم المارة بصوت مبحوح، يحمل كيسًا فارغًا، وبجواره زجاجات فارغة ويحدث نفسه: كنت عاملهم ملوك، يحكى المارة أنه كان موظفًا، أفنى عمره فى خدمة أولاده، وباع أرضه وبيته ليزوجهم. لكنه بعد أن كبر وضعف، أصبح عبئًا على عاتقهم. اختلفوا على من يستضيفه، وتخلوا عنه واحدًا تلو الآخر، ويعيش الآن على أرصفة الإهمال، يكلم نفسه، حتى تحطم عقله بعد أن تحطم قلبه.

وفى مشهد أكثر قسوة، تجلس فتاة حافية القدمين مجهولة الهوية، بمنطقة شبرا، تصرخ فجأة: «أنا مش مجنونة.. ابنى فين؟». لا تملك أوراقًا ولا اسمًا ولا مأوى، وكل ما لديها جملة واحدة تكررها يوميًا.

البعض يقول إنها فقدت طفلها فى حادث أو سرقة أو ربما أثناء ولادة فى الشارع، لكن لا أحد يعلم الحقيقة ولا يدرى أين أهلها أو ما اسمها، فالجميع يعطف عليها بالمال أو الطعام وتكون هذه أقصى المساعدات.

وعلى أحد أرصفة الجيزة، تجلس سيدة ستينية، لا تحمل سوى إيشارب قديم، بعد أن أفنت عمرها فى العمل خادمة وطباخة لتربى أبناءها الثلاثة. انتهى بها الحال إلى التشرد، بعدما أقنعها أبناؤها بالتنازل عن شقتها ومدخراتها، بدعوى «راحتها فى الكبر» لكن المفاجأة كما روت كانت حين قالوا لها بوضوح: «ما بقاش ليكى مكان هنا»، وتقول «كنت بأكلهم وأنا جعانة.. وفى الآخر قالوا لى امشى».

هذه القصص ليست فردية.. بل مئات النسخ منها تتكرر يوميًا فالخذلان يحول هؤلاء إلى مرضى نفسيين، والمرض النفسى ليس عيبًا ولكن التخلى هو الجريمة الحقيقية.

وفى هذا الصدد، تقول الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إن ظاهرة المرضى النفسيين والمجاذيب المتواجدين فى الشوارع ليست وليدة اللحظة، وإنما نتيجة لتراكمات اجتماعية ونفسية وضغوط حياتية قاسية، تدفع البعض لفقدان السيطرة على واقعهم، والانزلاق إلى دوامة العزلة وفقدان التوازن العقلى.

وتؤكد «خضر» فى تصريحات خاصة لـ«الوفد»، أن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعى، لا يستطيع أن يعيش بمفرده، فهو بحاجة إلى من يشاركه وجدانه، مشاعره، وقراراته اليومية. وعندما يحرم من هذا التفاعل، تتضخم لديه مشاعر الخذلان، ما قد يؤدى إلى انهيارات نفسية وعقلية تفضى فى بعض الأحيان إلى التشرد.

وأضافت أن هناك فرقا كبيرا بين المتسول والمريض النفسى، فالمتسول يسعى وراء المال، أما المريض النفسى فيبدو غائبًا عن الوعى، يتحدث إلى نفسه، يرفض المساعدة، وقد يرفض حتى الطعام أو النقود. هذه أعراض تراها يوميًا فى شوارع القاهرة والمحافظات، فهؤلاء ليسوا متسولين، إنما ضحايا لظروف اجتماعية ونفسية قاسية.

وتشير «خضر» إلى أن كثيرًا من الحالات التى رصدتها فى الملاجئ ودور الرعاية كانت لأشخاص كبار فى السن تم التخلى عنهم من قبل ذويهم، بعدما استنزفوا ماديًا أو عاطفيًا. «شاهدت رجالًا ونساءً بعيون دامعة يروون قصصًا مفزعة عن كيف تخلى عنهم أبناؤهم، بعد أن ضحوا بكل ما يملكون من أجلهم. هذه الصدمة كفيلة بأن تدفع الإنسان السوى إلى هاوية المرض النفسى».

وتوضح أن الإنسان حين يتعرض لخذلان من شخص مقرب، سواء كان ابنًا، أخًا، زوجًا أو حتى صديقًا، فإن الجرح يكون أعمق من أى جرح آخر، وقد يفقد معه القدرة على التفاعل أو الثقة بأى أحد. وتضيف «عندها يتحول الإنسان إلى جسد يمشى على الأرض لكنه فاقد للبوصلة، يتوه فى الزحام، وقد ينام فى الشارع أو يقف أمام السيارات دون وعى، وهذه علامات لما أسميه الغيبوبة النفسية والاجتماعية».

وتشدد «خضر» على أن هناك مؤسسات عديدة تهتم برعاية هذه الفئات مثل مستشفى العباسية للصحة النفسية، وكذلك مؤسسات أهلية تعمل فى صمت وفاعلية. لكنها فى الوقت نفسه تؤمن أن مسئولية الرعاية لا يجب أن تقع على عاتق الدولة وحدها، وإنما يجب أن يشارك المجتمع المدنى، والمتخصصون، وحتى الأفراد القادرون فيها، مضيفة: نحن بحاجة إلى توعية مجتمعية حقيقية، لا تكتفى بالعلاج بعد وقوع الأزمة، بل تزرع فى الأطفال والطلاب منذ الصغر قيم التعاطف والرحمة، ويجب أن نعلم الأجيال كيف يميزون بين من يحتاج المساعدة فعلًا وبين من يستغلها، وأن يفهموا أن المرض النفسى ليس عارًا، بل حالة إنسانية تحتاج احتواء.

كما طالبت بتفعيل دور الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية التى يمكن أن تؤدى دورًا تكميليًا كبيرًا، مؤكدة أن بعض المؤسسات الأجنبية فى مصر بدأت بالفعل فى احتضان حالات من كبار السن الذين فقدوا الدعم الأسرى، ووفرت لهم مأوى ورعاية لائقة.

وتستدعى «خضر» تجارب شخصية من الواقع لتوضيح حجم المعاناة، فتقول إنها التقت بسيدة فى أحد الملاجئ كانت تعمل وتكد طوال حياتها، لكنها فوجئت بأن أبناءها استولوا على أموالها، وتركوا لها الوحدة كرفيق دائم. كما شهدت حالات لكبار السن ممن عانوا من الهجر، وتعرضوا لصدمات متتالية أفقدتهم القدرة على التواصل مع المجتمع.

«الحياة صعبة جدًا على البعض، وعصرنا الحالى ملىء بالضغوط».. تؤكد «خضر» موضحة: نحن نعيش زمنًا ترك فيه الأبناء آباءهم وهاجروا، تاركين وراءهم قلوبًا محطمة ونفوسًا تائهة. من هنا تبدأ الكارثة النفسية التى تنتهى أحيانًا بالتشرد أو الانتحار الصامت.

وتوجه الدكتورة سامية خضر فى ختام حديثها لـ«الوفد» رسالة إلى الدولة والمجتمع على حد سواء، بضرورة العمل المشترك لإنقاذ هؤلاء الذين فقدوا السيطرة على واقعهم. وتطالب بفتح بيوت آمنة ومراكز دعم نفسى مجهزة بمتخصصين، لاستيعاب من لفظهم الشارع قائلة: لا يجب أن نغض الطرف عن هؤلاء، فما أصابهم قد يصيب أياً منا إذا توفرت نفس الظروف. الرحمة والتكافل المجتمعى ليسا ترفًا، بل ضرورة إنسانية لحماية ما تبقى من وجدان هذا الوطن.

خلط المفاهيم

وبدوره، حذر الدكتور وليد هندى، استشارى الصحة النفسية، من حالة الخلط المفاهيمى السائدة فى المجتمع المصرى بين مفاهيم المرض النفسى والمجذوب والمشرد، مؤكدًا أن التعامل مع هذه الفئات بات يخضع لأحكام سطحية غير مستندة لأى أساس علمى، ما يعمق من وصمهم ويزيد من معاناتهم.

وقال هندى إن المرض النفسى تحول إلى مساحة مفتوحة للإسقاطات الاجتماعية والتوصيفات الشعبية التى تطلق دون وعى، حيث أصبح كل من يختلف سلوكه عن المعتاد يوصف بصفات مثل «النرجسى» أو «الهستيرى» أو «مريض ازدواج الشخصية»، وهو ما يعكس غياب الوعى النفسى العلمى.

وشدد «هندى» على ضرورة التمييز بين «المجذوب الصوفى» الحقيقى وبين المريض النفسى أو العقلى، موضحًا أن الأول –وفق المفهوم الصوفي– هو شخص وصل إلى درجة روحانية عالية، زهد فى الدنيا وانقطع عن مظاهرها، ما يجعله يبدو فى حالة من الذهول وعدم الاهتمام بالمظهر أو التفاصيل الحياتية اليومية.

وأشار إلى أن ما يبدو من تصرفات غريبة أو كلمات غير مفهومة على بعض المجاذيب فى الموالد أو الأضرحة، قد يكون تعبيرًا عن تجليات روحية لا يمكن تفسيرها بمقاييس المنطق التقليدى، ولا يعد دليلًا على اضطراب عقلى، مشيرًا إلى أن هؤلاء يعيشون حالة دينية خاصة ولا يعانون بالضرورة من مشكلات نفسية.

ضحايا الخذلان

وأضاف «هندى» أن ظاهرة «المجانين» فى الشوارع تشمل أنماطًا متعددة؛ فمنهم من يتقمص الدور عمدًا للهروب من واقع اجتماعى أو اقتصادى مرير، ومنهم من تأثر بتجربة خذلان أو صدمة نفسية دفعت به إلى الانعزال وفقدان الاهتمام بمظهره وسلوكه، دون أن يعانى من اضطراب عقلى حقيقى. وهو ما يستوجب التعاطى الإنسانى لا التقييم السريع.

وأكد استشارى الصحة النفسية أن مصطلح «المجنون» لا وجود له فى العلوم النفسية المعاصرة، حيث تعتمد التشخيصات على معايير علمية دقيقة تقيس مستوى الإدراك والذكاء والقدرة على التكيف، وتصنف الحالات وفق درجات من الاضطراب، مشيرًا إلى أن من نراهم فى الشوارع ليسوا جميعًا مرضى عقليين، بل إن كثيرًا منهم ضحايا ظروف اجتماعية قاسية، مثل الفقر، أو التفكك الأسرى، أو فقدان الدعم.

واختتم الدكتور وليد هندى حديثه بدعوة عاجلة لضرورة نشر الوعى العلمى حول قضايا الصحة النفسية والتوقف عن استخدام التصنيفات الشعبية التى تجرم أو تسخر من الفئات المهمشة. مؤكدًا أن اندماج هؤلاء فى المجتمع يبدأ أولًا من فهم خلفياتهم وظروفهم، لا من نبذهم أو معاملتهم كخطر يجب عزله.