رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

جلستُ عند سفح الهرم الأكبرو تراءى لى مارك توين — الأديب الأمريكى الساخر، صاحب الابرياء فى الخارج (The Innocents Abroad) — آتيًا من عام 1867، مرتديًا بذلته البيضاء وقبعته المُلتوية، وممسكًا بدفتر ملاحظاته.

جلَسَ إلى جوارى، وبدت فى عينيه تلك النظرة المُدهشة التى تشبه الطفل حين يكتشف لعبة جديدة. تبادلنا التحية، وما لبث الحوار أن سال كما يسيل نهر النيل، بهدوءٍ ظاهر وعمقٍ خفى.

مارك توين (متأمّلًا أبا الهول): نظرتُ إلى أبى الهول، وقلتُ: ما هذا الذى يُخيف الزمن ويأسره فى نظرةٍ جامدة؟ رأسُه كأنّه خرج من حلمٍ مزعج، وجسمُه كأنّه لم يكتمل. أترى تركوه هكذا ليرعبنا بخرسه؟

كمال عبدالملك (ك.ع.): يا لها من قراءة عميقة لطبيعة الصمت! أترى يا سيّدى أن هذا التمثال – فى جموده – يعبّر عن مصر كلها؟ بلدٌ يتكلم بلا كلام، ويفضح أسراره لمن يُحسن الإنصات.

توين (بابتسامةٍ شاردة): كلُّ ما فى مصر القديمة لا يُحدّثك بكلمات، بل بوزن الحجر، برائحة الزمن، بصدى ما لا يُقال.

ثم أشاح بنظره نحو الاهرام وهو يقول: الأهرام تبدو لى كأنها فوق التاريخ نفسه؛ ثلاثة أشياء ضخمة تحدّق فى الأبدية، لا يعنيها من جاء ولا من رحل، تتعالى على البشر وماوصلوا اليه من علوم..

ثم أضاف مازحًا: لقد شعرتُ كأننى بعوضة تحاول أن تكتب تقريرًا عن جبل!

ك.ع. (ضاحكًا): لكن أيّ بعوضة تلك التى ما زال تقريرها يُقرأ بمتعة بعد قرنٍ ونصف من كتابته؟

وحين مررنا بالنيل، تلألأت عيناه، كأنّه رأى الطفولة من جديد.

توين: النيل! أطول نهر فى الدنيا، وأغناها بالماء، يسير فى صمت الملوك. مياهه تشبه الزمن: لا تتوقف، لا تستعجل، لا تعود إلى الوراء.

ك.ع. نعم، ونحن نعيش على ضفافه ونحمل صفاته؛ سطحٌ هادئٌ يخفى تياراتٍ لاتراها العين. نحن أيضًا نُجيد الابتسام حتى ونحن نختنق، ونردّ بالسخرية حين تُغلق الأبواب. لا تعبث بنا كثيرًا، فنكتتنا أشدُّ مضاءً من حدّ السيف.

توين (ضاحكًا): النكتةُ حصانُ طروادة للحقيقة؛ تدخل القلوب بلا جواز سفر. حدّثنى، يا مستر ملك عن ماذا فعل الزمان ببلادكم منذ أن كتبتُ عنها فى سنة 1867؟

ك.ع. (متنهّدًا): مرّت أنظمة وتعثّرت ثورات، واستيقظت الأحلام ثم نامت من جديد.. لكنّ الضحك باقٍ. فى مقاهى القاهرة، يشوى المصريون مآسى الحياة على جمر النكتة.

توين (مبتسمًا): إذن، فأنتم أحياء. الشعب الذى يضحك من مآسيه لا يُهزَم. كنتُ أظنّ أن أبي الهول يُفكّر، والآن أراه يبتسم لضحكاتكم.

ك.ع. فلنصغِ إذًا للصمت ما دام ينطق بالحكمة، ولنستمتع بالضحك حين تعجز اللغة.

توين (هامسًا): نعم صديقى ملك، إذا أردتَ أن تُلقى بالحقيقة فى صدور الناس، فضعها فى نكتة؛ فالنكتة بطاقة دعوة، والحقيقة ضيفٌ ثقيل.