ﺑﻌﺪ إﻗﺮار ﺗﻌﺪﻳﻼت ﻗﺎﻧﻮن اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ
اﻟﺒﻜﺎﻟﻮرﻳﺎ ﺗﺸﻌﻞ اﻟﺠﺪل
اﻧﻘﺴﺎم اﻟﺸﺎرع المصري ﺣﻮل “اﻟﺜﺎﻧﻮﻳﺔ الجدﻳﺪة”.. وﺧﺒﺮاء: تجاﻫﻞ ﺣﻘﻮق المعلم ﻳﻬﺪد ﻣﺴﺘﻘﺒﻞ اﻟﺘﻼﻣﻴﺬ
ﺳﺮﻋﺔ المواﻓﻘﺔ ﻋﻠﻰ المشروع ﺑﻌﻴﺪا ًﻋﻦ اﻷﺿﻮاء ﺗﺜﻴﺮ ﻣﻮﺟﺔ اﻧﺘﻘﺎدات واﺳﻌﺔ
فى أجواء من الترقب والقلق، تابع الملايين من أولياء الأمور وأبنائهم، جلسات مجلس النواب الأخيرة التى شهدت إقرار مشروع قانون التعليم الجديد، الذى اعتبرته الحكومة خطوة مهمة نحو إصلاح شامل لمنظومة التعليم المصرية، التى عانت لعقود من أزمات ومشكلات متراكمة.
وجاء قانون التعليم الجديد، فى توقيت حرج يستهدف تطوير التعليم وربطه بسوق العمل الحديث، لكن فى الوقت نفسه أثار جدلاً واسعاً بين الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين والخبراء التربويين حول مدى واقعية تطبيقه ونجاحه فى تحقيق أهدافه.
الرسالة التى أرادت الحكومة والبرلمان إيصالها كانت واضحة، إذ أكدوا أن القانون لا يلغى نظام الثانوية العامة المعروف، بل يضيف خياراً جديداً وهو «نظام البكالوريا المصرية»، الذى يقدم كبديل مجانى ومتكافئ، بهدف منح الطلاب مسارات أكثر تنوعاً ومرونة تتناسب مع متطلبات العصر، وتخفف من الضغوط النفسية والمادية التى تعانى منها الأسر، هذا النظام الجديد يشكل خطوة نحو تعليم حديث يمكن الطلاب من اختيار المسارات التى تناسب قدراتهم وطموحاتهم، سواء أكاديمياً أو مهنياً، ما يعكس رغبة الدولة فى رفع مستوى التعليم وربطه بسوق العمل المحلى والعالمى.
مع ذلك، ظلت حالة من الغموض تسود داخل البيوت المصرية، حيث تساءل كثير من أولياء الأمور والطلاب عن الفرق الحقيقى بين النظامين، وهل سيتساوى القبول فى الجامعات بينهما؟ وما مصير الطالب الذى يختار نظام «البكالوريا»؟ كما عبر الكثير منهم عن خشيتهم من نقص المعلومات وعدم وجود توعية كافية حول آليات التطبيق، فى ظل تحديات قائمة مثل كثافة الفصول الدراسية، ونقص المعلمين، وضعف البنية التكنولوجية فى المدارس.
منى علاء، ولية أمر لأحد طلاب الصف الثالث الإعدادى، عبرت عن قلقها قائلة: «إحنا مش ضد التطوير، بس عايزين نفهم. يعنى إيه «بكالوريا»؟ وهل هى تعتبر أفضل من الثانوية العامة؟، وهل شهادتها معترف بها فى الجامعات؟»
بينما أضاف وليد جمال، موظف وأب لطالبة فى الصف الأول الثانوى، أن الغموض وعدم وضوح التفاصيل يشكلان تحدياً كبيراً أمام أولياء الأمور، إذ قال: «كل شوية بيظهر نظام جديد، ولا مناهج واضحة، ولا طرق تقييم معروفة، إزاى نختار وإحنا مش فاهمين؟».
على الجانب الآخر، ترى سحر إبراهيم من الشرقية أن وجود مسارين للنظام التعليمى يعتبر خطوة جيدة فى ظاهره، لكنها أشارت إلى أن غياب التوعية الحقيقية من أكبر العقبات التى تحول دون قبول الأسر لتغيير المسار. وأضاف محمود عبدالرحيم من الجيزة أن «البكالوريا» إذا كانت اختيارية ومجانية، فلماذا لا توجد حملات توعية واضحة وواسعة النطاق، معتبراً أن معظم التغيرات تأتى فجأة دون إعداد مسبق.
من داخل البيئة التعليمية، تلخص المعلمة رحاب مجدى الوضع بالقول: «المشكلة ليست فى الفكرة، بل فى التطبيق. يحتاج الأمر إلى تدريب المعلمين، وتوفير بنية تحتية مناسبة، ومناهج واضحة قبل أى تغيير، وإلا سنعود إلى دائرة الحشو والتخبط والضغط النفسى على الطلبة». هذا يوضح أن التحديات لا تقتصر على القانون نفسه، بل على كيفية تنفيذ بنوده على الأرض.
من ناحيتها، ترى الخبيرة التربوية الدكتورة ولاء شبانة أن تعديلات قانون التعليم جاءت فى توقيت حساس، وتعكس محاولة جادة من الدولة للارتقاء بالمنظومة التعليمية وربطها بسوق العمل والتكنولوجيا الحديثة، لكنها شددت على أن نجاح التعديلات يعتمد بشكل أساسى على مدى جاهزية البنية التحتية، وتأهيل المعلمين، ومشاركة كل الجهات الفاعلة فى التعليم لتجنب أن تتحول الطموحات إلى تحديات أكبر تعيق عملية الإصلاح.
فيما يتعلق بالنقاط السلبية التى رصدتها الدكتورة ولاء، فقد لاحظت تجاهلاً لدور المجلس الوطنى للتعليم الذى يعد من أهم الهيئات المسئولة عن التخطيط ورسم السياسات التعليمية على المدى الطويل. كما توقعت صعوبات فى تطبيق أعمال السنة فى مرحلة الإعدادية، خصوصاً مع تخصيص 20% من درجات الشهادة لأعمال السنة، حيث قد تواجه المدارس مشاكل تطبيقية جمة. كذلك، قررت الحكومة تطبيق نظام «البكالوريا» على طلاب الصف الثالث الإعدادى اعتباراً من العام الدراسى المقبل، وهو ما يمكن أن يحدث حالة ارتباك للطلاب الذين درسوا فى مراحل سابقة بنظام مختلف، مما قد يؤثر سلباً على تجربتهم التعليمية.
أما الخبير التربوى هلال عبدالحميد، فقد أعرب عن مخاوفه الشديدة من الطريقة التى أقر بها القانون. وقال إن القانون رقم (139) لسنة 1981، المعروف بقانون التعليم، ليس مجرد تشريع عادى، بل هو قانون يحدد ملامح مستقبل مصر، ويهم الغالبية الساحقة من الشعب. ولكنه استنكر سرعة مناقشة وتعديل القانون، مشيراً إلى أن التعديلات أرسلت لأعضاء مجلس النواب فى نفس يوم مناقشتها، دون مهلة كافية للقراءة أو النقاش، فى مخالفة للإجراءات التشريعية المعتادة التى تسمح للأعضاء بالتعمق فى محتوى المشروع.
وأوضح هلال فى تصريحات خاصة لـ«الوفد»، أن الأمانة العامة لمجلس النواب عادة ما ترسل مشروعات القوانين بعد صدور تقارير اللجان بفترة كافية، ولا تسمح بإجراء تعديلات خلال 48 ساعة قبل الجلسة، بينما حدث العكس تماماً مع هذا القانون، الذى تم إقراره بسرعة «البرق» فى جلسات الدور الأخير للفصل التشريعى. وأضاف أن اللجنة المشتركة التى درست القانون عقدت اجتماعات فى 1 و2 و6 يوليو 2025، حيث زعم حضور معظم أعضاء مجلس النواب، وهو أمر غير منطقى، خاصة وأن عدد النواب 596 نائباً، بينما قاعات اللجان صغيرة جداً ولا تتسع لهذا العدد. كما انتقد عدم وضوح عدد الحاضرين الفعلى فى كل جلسة.
وأكد «عبدالحميد» أن القانون لم يناقش فى عمق، ولم تجر أى حوارات مجتمعية حقيقية قبل إقراره، ولم يستمع لرأى المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، أو حتى المجلس الأعلى للتعليم قبل الجامعى الذى كان من المفترض عرضه عليه حسب القرار الجمهورى رقم (523) لسنة 1981. وأضاف أن نقابة المعلمين، التى لم تجر بها انتخابات منذ 13 عاماً، تم تجاهلها بشكل تام، واكتفى المسئولون بإرسال المشروع إليها كإجراء شكلى فقط.
وفيما يخص المعلمين، انتقد هلال أن القانون لم يشر إلى تحسين أوضاعهم، رغم أن المادة (22) من الدستور تؤكد على أن المعلم هو الركيزة الأساسية للعملية التعليمية، وأن الدولة تلتزم بتنمية كفاءته العلمية، ورعاية حقوقه المادية والأدبية. وهذا الإهمال فى تحسين وضع المعلم يثير تساؤلات حول جدية الحكومة فى تطوير التعليم، خاصة وأن الكثير من المعلمين يعانون ظروفاً مادية صعبة، وتفتقر المدارس إلى المعامل والفنيين والعمال اللازمين لدعم العملية التعليمية.
على صعيد أوسع، أشار هلال إلى أن الحكومة مستمرة فى تجاهل نصوص الدستور، وليس فقط فى مجال التعليم، حيث تنص المادة (18) على تخصيص ما لا يقل عن 3% من الناتج القومى الإجمالى للصحة، لكنها تخطت هذا الالتزام عبر قانون يسمح بتأجير المستشفيات للوحدات الصحية للقطاع الخاص، ما أدى إلى أزمة فى منظومة الصحة الوطنية. وفى مشروع قانون التعليم الجديد، يتضح توجه نحو تحويل التعليم إلى سلعة، خاصة من خلال فرض رسوم إعادة الامتحانات التى تراوحت بين 200 و2000 جنيه، قبل تعديلها لتصبح بحد أقصى 1000 جنيه، ما يهدد مبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليه فى المادة (9) من الدستور.
يأتى قانون التعليم الجديد أيضاً مع منح وزير التعليم سلطات واسعة لإقرار نظام جديد لـ«البكالوريا»، على أن يسعى لاعتماده بالتعاون مع جهات دولية، ما يثير قلقاً بشأن مصير الطلاب فى حال فشل الوزارة فى نيل هذا الاعتماد، خصوصاً للطلاب الراغبين فى استكمال تعليمهم بالخارج.
على الرغم من هذه الانتقادات، شارك الدكتور محمد عبداللطيف، وزير التربية والتعليم، فى جلسات مجلس النواب، مؤكداً التزام الوزارة بالإصلاح، معرباً عن تقديره لدور البرلمان فى دعم المؤسسات، ومشيداً بما وصفه بالإجراءات العاجلة التى نفذتها الوزارة خلال العام الدراسى الماضى والتى أثمرت تحولات إيجابية ملموسة.
وأوضح الوزير أن القانون يتضمن تشريعات جوهرية ترمى إلى إحداث نقلة نوعية فى التعليم، من خلال تخفيف الأعباء على الأسر، وتوفير فرص أوسع أمام الطلاب، بما يمكنهم من مواكبة التطورات المتسارعة فى سوق العمل. وأكد أن إدراج نظام «البكالوريا المصرية» يهدف إلى توفير بديل عملى ومجانى يتيح للطلاب اختيار المسارات التى تناسبهم، ما يقلل من الضغوط النفسية والأعباء المادية.
كما شدد على التزام الوزارة بمبادئ العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص، مؤكداً أن التعديلات تهدف إلى بناء منظومة تعليمية حديثة وعادلة، تتماشى مع متطلبات العصر، وتعزز ثقة المواطنين فى الدولة ومؤسساتها.
ويواجه قانون التعليم الجديد تحديات كبيرة، إذ إن الطموح فى تطوير التعليم يجب أن يقابله استعداد كامل من البنية التحتية، وتأهيل المعلمين، وتوعية الطلاب وأولياء الأمور، مع ضمان الشفافية والمشاركة المجتمعية فى صنع القرار. فإذا لم يتم ذلك، فإن الإصلاح قد يتحول إلى مجرد تغيير شكلى، دون تحقيق تأثير حقيقى فى جودة التعليم ومستقبل الأجيال القادمة.
يبقى الأمل معلقاً على قدرة الحكومة ومؤسسات التعليم على تجاوز هذه العقبات، وتحويل القانون إلى واقع ملموس يرتقى بمنظومة التعليم فى مصر، ويمنح الطلاب فرصاً حقيقية للتعلم والنجاح، بعيداً عن الضغوط والتحديات التى لطالما عانت منها الأسرة المصرية.

