رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

في حديثٍ لم تتجاوز مدته دقائق معدودة، تكررت كلمة “أنا” أربعين مرة. رقمٌ قد يبدو عابرًا للوهلة الأولى، لكنه في جوهره مرآة صافية لخللٍ داخليٍ عميق، يكشف كيف تتحول اللغة من وسيلة تواصل إلى منصة استعراض للذات، وكيف تنقلب الفكرة من جماعية إلى فردانية مفرطة لا ترى في الكون إلا مركزًا واحدًا: المتكلم.

من يردد “أنا” بهذا الإلحاح لا يتحدث، بل يصرخ من فراغه. لا يُخبرك عن رأيه، بل يُخبرك عن نفسه. لا ينقل تجربة، بل يروج لذاته بوصفها التجربة. هو لا يرى نفسه بين الناس، بل يرى الناس من حوله كأنهم مجرد متفرجين في عرض بطولي متخيل، يكتبه لنفسه ويصفق له وحده.

“أنا عملت، أنا قلت، أنا فكرت، أنا أنقذت”… وكأن الآخرين لا وجود لهم إلا ككومبارس أو شهود زور على مسرحية تدور أحداثها حول نجم واحد اسمه “الأنا”. هذه ليست حالة طبيعية، بل نرجسية صوتية تتغذى على وهم الإنجاز واحتكار الفهم وادعاء التفوق، في الوقت الذي قد تكون فيه الحقيقة عكس ذلك تمامًا.

تكمن خطورة هذه الظاهرة في كونها لا تُبعد صاحبها عن التواضع فحسب، بل تُغلق الباب بالكامل أمام التشارك، والحوار، والاعتراف بالآخر. في المجتمعات السليمة، يُفترض أن تحضر كلمة “نحن” أكثر من “أنا”، وأن يُقاس النجاح بمدى تحقق الهدف الجماعي لا بعدد المرّات التي يُذكر فيها اسم فرد بعينه. أما حين يُختزل الخطاب في “أنا”، فنحن أمام عقل لا يبحث عن الحقيقة، بل عن التصفيق، وأمام نفسٍ لا تتحرك إلا لتعويض شعور دفين بالنقص أو الضآلة.

الشخص الذي يكرر “أنا” بهذه الكثافة لا يعنيه ما تقوله، ولا ما تراه، ولا حتى ما تحتاجه. هو فقط يبحث عن تأكيد ذاته، ولو على أنقاض الآخرين. وهنا يبرز السؤال المؤلم: ماذا تفعل بشخص لا يرى فيك إلا مرآة؟ تلك المرآة التي كلما نظر فيها، أراد أن يرى نفسه أعظم، وأذكى، وأنقى، وأكثر استحقاقًا للقيادة والفضل والاهتمام.

إن الأمم لا تنهض بأشخاص يصرخون “أنا”، بل بأولئك الذين يُخفون “الأنا” ليفسحوا المجال لـ”نحن”. القادة الحقيقيون لا يتحدثون كثيرًا عن أنفسهم، بل يُحدثون فرقًا في حياة الآخرين؛ لا من خلال الصخب، بل عبر الأثر، وبثقة هادئة لا تحتاج إلى تصفيق.

فلنتأمل جيدًا: حين يردد شخص كلمة “أنا” أربعين مرة في دقائق معدودة، فهو لا يُحدثك، بل يُحدّق في نفسه بصوتٍ عالٍ، والأسوأ من ذلك أنه يتوقع منك أن تصدّق هذيانه وتصفق له.

ولأن هذه الظاهرة باتت مكررة، فإن السؤال الطبيعي هو: هل نحن أمام سلوك اجتماعي معتاد أم حالة مرضية تستوجب التوقف؟
عندما تتكرر “أنا” بهذا الشكل المفرط، يصبح من الواضح أننا لا نتعامل مع مجرد عادة لغوية، بل مع نمط نفسي قد يتراوح بين النرجسية المكتسبة نتيجة التنشئة أو المحيط، وبين اضطراب حقيقي في الشخصية يتطلب تدخلاً نفسيًا. أحيانًا يستخدم الإنسان “الأنا” بشكل دفاعي يخفي به قلقه أو شعوره بالنقص، وأحيانًا يتحول الأمر إلى اضطراب نفسي مكتمل المعالم يرفض فيه الشخص النقد، وينكر وجود الآخر، ويطالب بالإعجاب دون توقف.

ما نحتاجه اليوم هو مراجعة شاملة لهذا النمط من الخطاب، ابتداءً من البيوت والمدارس، ومرورًا بالإعلام والمؤسسات العامة. علينا أن نُعيد الاعتبار لثقافة “نحن” التي تُرسّخ روح الفريق والانتماء والتواضع. وعلى من يتصدّرون المشهد العام أن يدركوا أن القائد لا يُقاس بعدد المرات التي يذكر فيها نفسه، بل بعدد القلوب والعقول التي ألهمها وساهم في نهضتها.

الخطاب المتزن، الذي يُخفي الأنا لصالح الجماعة، هو ما تحتاجه المؤسسات الناجحة والمجتمعات الواعية. أما أولئك الذين يصرخون “أنا” ليل نهار، فليعلموا أن ما يفعلونه ليس قيادة… بل مجرد ضجيج ذاتي على هامش المشهد الحقيقي.