رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

شمس لا ترحم وأرواح لا تستكين

أبطال «اليومية».. إرادة لا تنكسر فى وجه الشقاء

بوابة الوفد الإلكترونية

يقضون 10 ساعات وقوفًا للبحث عن بضعة جنيهات
عامل أعطال الكهرباء: العرق يحجب رؤية مصيرى أمام الأسلاك
الحداد: «لو بطلت يوم أجوع.. ربنا بيقوينى علشان عيالى اللى بيروحوا الجامعة»
بائعة الخضار: «كل يوم شيل ولف ونزول ومواعيد صعبة»
 

أناس كتبَ عليهم الشقاء.. لا يملكون رفاهية الراحة أو خيار التراجع.. العرق على جبينهم لغة يومية، و«رزق اليوم بيومه» شريعة لا تُكسر، قرابة 10 ساعات يقضونها وقوفًا أو بحثًا عن بضعة جنيهات قد تأتى أو لا تأتى.
بعضهم يحمل على رأسه قطعة قماش مبللة، وآخرون يحتمون بكرتونة بالية لا تُجدى كثيرًا أمام لهيب الشمس، بينما يختار آخرون سكب الماء على رؤوسهم كوسيلة يائسة للهروب من حرارة تكاد تحرق أجسادهم، وجوه منسية، صبرهم سلاحهم، وإرادتهم عزاؤهم، «الوفد» اقتربت منهم وعايشتهم الحكاية.
كلما تجولت فى الشوارع تجد أصوات الباعة مزيجًا بين الهمسات والتعب، يقفون بثبات أمام قسوة الحياة، كأنهم من صُنع الحديد، لا يستكينون أمام حر الشمس ولا يلينون رغم تقلبات الطقس، بل يعانقون الألم بصمت، الاستسلام ليس خيارًا لهم، كل قطرة عرق تسقط منهم تُكتب قصة كفاح تُروى بصمت.
وسط حكاوى السوشيال ميديا ومشاهد الإحباط بين صفوف الشباب، يصبحون النسيج الحقيقى للمجتمع، يحملون على أكتافهم أعباء لا تُرى، ويمنحون أرزاقهم للآخرين من قوت يومهم الضئيل.
وفى خضم هذه المعاناة، تتردد همسات صغيرة تشبه صرخات غير مسموعة، تحمل دعوات صامتة لمساعدة غير متوقعة، تضيء طريقهم نحو غدٍ أفضل. ففى النهاية، هؤلاء الذين كتب عليهم الشقاء هم أبطال مجهولون، يستحقون أن ترفع أصواتنا لتصل، وأن تُمنح لهم الحياة الكريمة التى يستحقونها بعد سنوات من الكفاح والصبر.


عامل الأعطال
داخل غرف صغيرة مغلقة تفيض بحرارة الصيف القاسية، يعمل سيد زينهم، عامل الكهرباء البسيط بصمت لا يقطعه سوى صوت تنفسه الثقيل وهمسات أسلاكه المتشابكة. «سيد» لم يتجاوز عامه الخامس والأربعين، يبدأ يومه فى السادسة صباحًا، مرتديًا بدلته الزرقاء الملطخة بالكربون، وحاملًا على كتفه صندوق أدواته كجندى يتهيأ لمعركة يومية لا تخلو من الخطر.
أكثر من عشرين عامًا فى مهنة يعتبرها «خط نار»، يقضى ساعات طويلة داخل غرف مغلقة تضم محولات كهرباء ضخمة، ودرجات حرارة قد تتجاوز الـ50 درجة مئوية فى الداخل، دون تهوية حقيقية، قائلا: «إحنا بنشتغل فى صمت.. واللى بنور بيوتهم مش بيشوفونا، لكن إحنا عارفين إن كل بيت محتاجنا، وده بيكفينا».
بين جدران صماء وجو خانق، يواجه «سيد» كل يوم احتمالات الإصابة بصعقات كهربائية قاتلة، أو الإغماء نتيجة ضربات الشمس، لكنه يواصل العمل بتفانٍ لافت، ورغم كل الإجراءات الاحترازية، فإن الخطر لا يفارقه. يقول: «كل سلك ليه شخصية، لازم تفهمه قبل ما تلمسه.. غلطة صغيرة ممكن توديك فى داهية».
فى حى إمبابة، يعيش «سيد» مع زوجته وثلاثة أبناء، أكبرهم فى المرحلة الثانوية. دخله الشهرى بالكاد يغطى نفقات البيت، ومع ذلك يرفض أن يعمل فى مهنة أقل خطورة، لأنه يرى فى عمله «رسالة».
ورغم الحرارة القاتلة فى عز الصيف، لا تتوفر مكيفات أو حتى مراوح فى معظم مواقع العمل، وقال: «بنشتغل وسط سخونة الحديد وسخونة الجو.. العرق بيغرق هدومى.. بس المهم نرجّع النور للناس، خصوصًا فى المستشفيات أو البيوت اللى فيها أطفال وكبار سن».
يوم «سيد» تتسلله مواقف إنسانية، مثل تقديم طفل كوب ماء بارد له من خلف شبك نافذة، أو امرأة تدعو له وهو يصلح لوحة مفاتيح معطّلة فى مدخل عمارتها. هذه اللمحات الصغيرة تمنحه طاقة تكفيه ليكمل مشوار الشقاء.
الحداد
7 ساعات يقضيها السيد غريب، الحداد، تحت لهيب الشمس، ورغم تجاوز عمره الخمسين عامًا إلا أنه يستمد قوته من قوت يومه وابتسامة أبنائه بعد عودته للمنزل.
داخل ورشته فى المنيب، يقف شامخًا مستندًا على مطرقة حديده الثقيلة، لا يملك فرصة للتوقف أو الراحة، يقضى يومه بين ضربات المطرقة التى تصدح فى الأجواء، وشرر النار المتطاير من الحديد الساخن، ورغم التعب والهزال الذى يسكن جسده، لا يعرف كلمة استسلام.


«السيد» أب لأربعة أبناء، جميعهم يدرسون فى مراحل جامعية مختلفة، منهم من يدرس الطب والهندسة، وهو يرى فى تعليمهم أمله الوحيد للنجاة من قسوة الحياة. يقول فى صمت «لو بطلت يوم، أجوع، رزقى يوم بيوم، ربنا هو اللى بيقوينى عشان عيالى اللى بيروحوا الجامعة، عشان أديهم فرصة يعيشوا أحسن منى» هذه الكلمات تحمل عبء سنوات من المعاناة، لكنها تعكس إرادة صلبة لا تنكسر.
يعمل «غريب» تحت أشعة الشمس الحارقة، التى تضعف جسده الذى بدأ ينهار مع تقدم السن. يروي: «كتير بحس بدوخة، مرات بسقط على الأرض من كتر التعب، بس لازم أقف وأكمل.. عشانهم».
هشاشة جسده لا تخفيها عضلات ذراعيه المشدودتين من العمل المتواصل، لكن القلب ما زال قويًا، ينبض بالأمل ويقاوم ألم الزمن، فمع صباح كل يوم يغادر منزله قبل شروق الشمس، وهو يحمل حقيبة صغيرة بها بعض طعامه وزجاجة ماء، ويبدأ رحلة طويلة إلى ورشته فى بيئة صعبة، لا يجد سوى أدواته البسيطة وقدرته على الصبر، ليصنع لقمة عيش تكفيه وتكفى أسرته، ليقول بصوت مجهد: «الشغلانة دى ما فيهاش أعياد ولا إجازات.. لو وقفت يوم، حد تانى بياخد مكانى، وأنا لازم أكون دايمًا موجود».
«أنا موجود، وأعمل، ولا أقبل أن أكون عبئًا على أحد».. يستكمل قصته البطولية ويقول: إن الأبوة مسئولية، ولا بد أن يكون القدوة لهم فى الصبر والاجتهاد. «أنا عايزهم يشوفوا إن الحياة مش سهلة، بس بالإرادة والعمل ممكن نعديها. ممكن نوصل للى نفسنا فيه، حتى لو الدنيا كانت ضدنا».


بائعة الخضار
تجلس ناهد خلف، سيدة خمسينية ترتدى جلبابًا بسيطًا وتغطى رأسها بإيشارب باهت اللون، تفترش الرصيف أمامها صناديق صغيرة من الطماطم والبطاطس والكوسة وبعض الخضراوات الورقية.
عيناها مرهقتان من التعب والسهر، ويدها اليمنى لا تهدأ وهى تمسح العرق من جبينها بقطعة قماش قديمة، منذ أكثر من 10 سنوات، تقاوم به صعوبات الحياة وتحمى به بيتها من السقوط.
بدأت «ناهد» رحلتها فى بيع الخضراوات عندما أصيب زوجها بوعكة صحية منعته من مواصلة عمله كسائق سيارة أجرة، وفجأة، وجدت نفسها مطالبة بأن تكون عونًا وسندًا، لا زوجة فقط. وقالت بصوت حزين: «ماكنتش متخيلة إن يوم هييجى وأقف فى الشارع أبيع، بس لما شفت ولادى محتاجين مصاريف والمدارس طالبة حاجات، مكنش ينفع أتفرج عليهم وأستنى.»
تخرج ناهد من منزلها الصغير فى الخامسة فجرًا، تذهب إلى السوق المركزى لشراء الخضراوات بالجملة، ثم تعود سريعًا لتبدأ يومها عند رصيفها المعتاد قبل أن يكتظ الشارع بالمارة. تعمل حتى الغروب، أحيانًا تحت المطر، وغالبًا تحت شمس محرقة، وقالت: «اللى ما يعرفش يقول شوية خضار، لكن التعب فيهم زى الشقاء كله. كل يوم شيل ولف ونزول ومواعيد صعبة».
«ناهد» أم لثلاثة أولاد، فى مراحل تعليمية مختلفة؛ أحدهم فى الثانوية، والثانى فى المرحلة الإعدادية، والثالث فى الجامعة. تفخر بأبنائها كثيرًا وقالت: «نفسى أفرح بيهم وأشوفهم فى شغل كويس، عشان يحسوا إن تعب أمهم ما راحش على الفاضى».
استطاعت ناهد أن تكوّن علاقات ودودة مع زبائنها، الذين أصبحوا يأتون خصيصًا لشراء الخضراوات، وتابعت: «أنا بحب أكون صريحة مع الناس، وأقولهم ده طازة وده مش قوى، لأن اللى ييجى مرة يصدقنى، ييجى كل يوم.»
واستكملت: «أوقات البلدية تيجى تلم الحاجة، وبرجع البيت خالية اليدين، بس برجع تانى الصبح، اللى يتعب ماينفعش يستسلم».