المنيا بين الإستعراض الإعلامي وأزمات تهدد حياة الملايين
منذ توليه منصبَ محافظا للمنيا ما يقرب من عامين؛ اختار اللواء عماد كدواني أسلوب الجولات اليومية في مختلف المراكزِ والقرى، مصحوباً بفريق إعلامي يوثق تحركاته، غير أن هذه الجولات، التي يفترض أن تحمل عنصر المفاجأة، باتت معلومة مسبقاً للمواطنين قبلَها بأيام، مما أفقدَها قيمتها الرقابية، وحولَها في أعين كثيرين إلى استعراض إعلامي يفتقد للجدوى العملية، الجولاتِ اليومية من السهل ان يقوم بها وكلاء الوزارات والسكرتير العام والمساعد ونائب المحافظ، شريطة ان تحمل عنصر المفاجئة، ويتفرغ المحافظ لحل الأزمات الشائكة.
الكارثة الصامتة: صرف صحي ومخاطر صحية تهدد الملايين…
في خضم هذا الاستعراض الإعلامي، بقيت ملفات مصيرية بلا متابعة حقيقية، أبرزُها مصب مصرفِ أطسا، الذي يضخُّ نحو مليوني طن سنوياً من مخلفات الصرف الصحي والمصانع في نهر النيلِ، المصدر الوحيد لمياه الشرب لملايين المواطنين، حيث تم تخصيص 10 ألاف فدان غابات شجرية تعتمد في زراعاتها على مياه الصرف الصحي المعالج .هل يمكن غض الطرف عن تهديد بهذاِ الحجم؟ مع ذلك، ظل الملف بعيداً عن أولويات المحافظ، وكأن صحة الإنسان ليست ضمن جدول اهتماماته. هذهِ المهازل لا تؤثر فقط على المنيا، بل تهدد سلامة مياه الشرب لمصر كلها.
آثار غائبةٌ عن التطوير: ثروة مهدرة…
المنيا التي تضم ما يقرب من ثلث آثار مصر، حرمت من الاستفادة من هذهِ الثروة التاريخية، مزاراتٌ كالبهنسا وتلُّ العمارنة والأشمونين ومنزل مارية القبطية تعاني الإهمالَ، مداخل غير ممهدة وطرق غير صالحة، فيما تُركت دون تطوير يليق بمكانتِها، تجاهل هذا الملف جعل المنيا خارج الخريطة السياحية العالمية، برغم قدرتِها على أن تكون مركز جذب رئيسي للسياحة الثقافية والدينية.
أزمة السماد.. فلاحون في مواجهة المجهول…
تحدث محمد عبد الموجود مواطن منياوي، "منذ أشهر يواجه المزارعون أزمةً حادة في نقص السماد الأزوتي، المخازن فارغة، والأراضي عطشى، والمزارع البسيط يقف عاجزاً أمام واقع يهدد رزقه، بينما اكتفى المحافظ بجولات لم تلامس جوهر الأزمة، فبدا وكأن هموم الفلاحين ليست أولوية تذكر ، تلاعب بعض رؤوساء الجمعيات الزراعية في حصص توزيع الأسمدة اصبحت جهارا نهارا أمام أعين الجميع دون رادع، واكتفينا بالشو الإعلامي لمحافظ المنيا، في حين تم غلق غلق أبواب ديوان عام المحافظة، واصبحت سكنة عسكرية ممنوع الدخول دون موعد مسبق، وكيف يكون الموعد ولا يوجد من يجيب على شكاوى المواطنين وطلب مقابلة " سيادة المحافظ ".
ولفت جمعة محمود مواطن منياوي، اهالي القرى تستغرب عدم زيارة المحافظ للقرى التي تسبح على المياه الجوفية، اليس هي الأولى والأهم بالزيارة وحل مشكلاتها، ووقتها يكون البث المباشر والشو الإعلامي فاضحا للحقيقة، اصبحت منازل قرى لطف الله وإبوان مهددة بالإنهيار، فماذا استفاد المواطن المنياوي من جولاتك المعروفة مسبقا قبلها بعدة ايام ، وتكون الأمور على نظام " تمام يا فندم تمام " أكوام القمامة ترفع والشوارع ترش بالمياه والورد، وبعد الزيارة تعود ريمة لعادتها القديمة.
ارتباك إداري وقرارات مثيرة للجدل…
وأضاف محمد الطويل، قرارات الإقالة والتعيينات المتضاربة لمحافظ المنيا، أطاحت بكفاءات مشهود لها، لصالح عناصر وصفت بأنصاف الكفاءات وخاصة في تعينات نواب رؤوساء المراكز ، مما أحدثَ ارتباكاً في عملِ الإداراتِ، وفاقمَ من غضبِ الشارعِ المنياوي، فالبناء المخالف للأبراج المخالفة مستمر تحت عناية بعض نواب رؤوساء المراكز في بني مزار ومغاغة، وبعض المراكز الأخرى واصبح التربح غير المشروع لبعض نواب المراكز، ومسؤولي التنظيم، واملاك الدولة " أمام اعين الجميع " وهو ما أثار استياءً واسعاً بين الأهالي.
فرص استثمارية ذهبت أدراج الرياح…
لافتا رضا عبد الجواد موظف، المنيا تمتلك موقعاً واعداً وفرصاً اقتصادية ضخمة، وكان مطروحاً إقامة مصانع دواء شرق النيل بالمحافظة بالإعتماد على خامات محلية، مع عروض إستثمارية من شركات صينية، غير أن هذه الفرص ذهبت أدراج الرياح ، تجاهل المحافظ لهذا الملف حرم المحافظة من صناعة استراتيجية كانت قادرة على توفير آلاف فرصِ العمل وتعزيز الاقتصادِ المحلي ، ونقولها صريحة لــ" سيادة المحافظ " ليس لدينا مانع أن تحلم بكرسي الوزارة، ولكن ليس على حساب معاناة شعب المنيا، كان مقترحا عمل تلفريك من مدينة المنيا وحتى مدينة المنيا الجديدة والمناطق الأثرية شرقا ، والتي كانت ستضيف زخما في توافد الوفود السياحية للمحافظة .
بين الصورةِ والواقع…
كما أشار حاتم رسلان، عضو الهيئة الوفدية، فإن سياسة المحافظ تبدو وكأنها "رحمة ظاهرها الإبتسامات أمام الكاميرات، وباطنها معاناة المواطن الذي لم تقترب همومه من دائرة الاهتمام"، وبينما يواصل المحافظُ جولاته اليومية، تظل الأزمات الكبرى شاهدة على فجوة واضحة بين الصورة المروجة والواقع المرير: مياه نهر النيلِ الملوثة، آثار مهملة، فلاحون يئنون، وفرص استثمارية مهدورة، المنيا اليوم أمام اختبار حقيقي: هل ستظل مجرد مشهد إعلامي، أم تتحول الجولات إلى حلول ملموسة لحياة المواطنين؟