رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى معظم البيوت، يبدو أن رفوف الكتب وخزائن الأدوية تنتمى إلى عالمين مختلفين — أحدهما للخيال، والآخر للجسد. لكن الفاصل بينهما أوهى مما نظن.

الأدب والطب، وإن بدوا فى الظاهر مجالين منفصلين، يجتمعان فى عمق انشغالهما بالمعاناة، والشفاء، وسر الوجود الإنسانى الهش. قد لا تسكن الرواية الحمى، لكنها تضىء دروب الألم الداخلى، وقد لا تداوى القصيدة المرض، لكنها تمنح عزاء لا يصرف من صيدلية.

نحن لا نسكن الإسكندرية أو القاهرة، بل نقيم فى أجسادنا؛ فهى عنواننا الدائم، ومقر وجودنا الأعمق. وحين يعتل الجسد، لا يكون الشفاء فى تسكين الأعراض وحدها، بل فى الإصغاء العميق إلى سرديته، إلى ما يقوله صمته وآلامه وإشاراته المستترة. وهنا يتقدم الأدب بوصفه فضاء يتكلم فيه الجسد، لا على هيئة تقرير طبى، بل على هيئة رواية نابضة. والأدب لا يكتفى بتشخيص المرض، بل يمنح اللغة لمعاناته، ويمنح المعاناة شكلاً يروى. وقد أشار المفكر الفرنسى رولان بارت إلى أن متعة النص ليست ذهنية فحسب، بل جسدية أيضاً؛ فالنص لا يخاطب العقل وحده، بل يلمس الجسد ويستثيره، يقلقه وينشطه. وتبلغ هذه الفكرة ذروتها حين نقرأ عن الألم أو الفقد أو الصدمة، إذ يصبح الجسد ذاته جزءاً من عملية التلقى، ولا يظل متفرجاً حيادياً، بل يشارك، يتجاوب، يتألم، ويتعاطف.

وكما يقول أرنولد وينشتاين، فى كتابه صرخة تجوب البيت أن الأدب يشبه التشخيص الطبى. فإذا كان الطبيب يبحث عن إشارات بيولوجية، فإن القارئ الأدبى يلتقط الجراح النفسية التى لا ترصدها أجهزة المسح. فبطل محطم فى رواية قد يكشف عن مرض مجتمعى أو شخصى لا يراه التحليل السريرى. وهكذا يغدو الأدب نوعاً من الأشعة السينية للروح.

وفى تجربة أكثر التقاء بين الطب والقلم، تقف الكاتبة والطبيبة نوال السعداوى، التى سخرت كتاباتها لفضح كيف يساء فهم جسد المرأة، ويختزل فى الطب كأداة للتكاثر، ويقهر اجتماعياً وثقافياً. فى كتبها مثل مذكرات طبيبة، تسرد السعداوى تجارب تعيد للمرأة جسدها، لا بوصفها موضوعاً للفحص، بل ذاتاً تحكى، تقاوم، وتنتزع الكرامة من براثن السلطة.

لطالما احتل المرض مكانة مركزية فى الأدب، من مآسى سوفوكليس القديمة إلى تأملات سوزان سونتاغ فى المرض كاستعارة. والسرد ليس ترفاً بل ضرورة، يمنح المريض القدرة على تحويل الألم إلى معنى، والفوضى إلى بنية، والضعف إلى صوت مسموع. هذا ما تجسده الطبابة السردية، التى أسست لها الطبيبة ريتا شارون، وجعلت من الرواية أداة علاجية، ومن الإصغاء فعل شفاء. فهى تدعو الأطباء إلى قراءة روايات المرضى كما يقرأون الأدب العظيم: بعين ناقدة، وأذن رحيمة، وقلب يفهم ما بين السطور. لأن المريض ليس لغزاً سريرياً بقدر ما هو إنسان معقد، لا تفهم آلامه بالأشعة والتحاليل وحدها، بل بالإنصات العميق إلى الحكاية التى يرويها جسده.