كوكب الأرض يصرخ.. والصحة العالمية تحذر
«القبة الحرارية» فى قمة الغليان العالمى
تضرب موجة حر هى الأقسى منذ عقود الكرة الأرضية، من الخليج إلى أوروبا، ومن مصر إلى أمريكا، متسببة فى وفيات، حرائق، وتوقف خدمات أساسية، وسط تحذيرات أممية من دخول العالم فى مرحلة «الغليان المناخى». ويحذر العلماء من هذه ليست موجة عابرة.. بل نذير مستقبل شديد السخونة، ويبرز اسم جديد يتردد فى نشرات الأخبار ومؤتمرات المناخ: القبة الحرارية (Heat Dome).
القبة الحرارية هى نظام جوى ناتج عن تمركز منطقة ضغط جوى مرتفع فوق منطقة معينة، مما يؤدى إلى حبس الهواء الساخن فى الأسفل ومنع تدفق الهواء البارد أو تبادل الكتل الهوائية.
ومع استمرار أشعة الشمس فى تسخين الأرض، وعدم وجود تيارات لتبريدها، يتراكم الهواء الساخن ويعيد تدويره، مما يؤدى إلى ارتفاع شديد ومستمر فى درجات الحرارة، قد يدوم أيامًا أو حتى أسابيع.
خلال صيف 2025، ضربت القبة الحرارية مناطق واسعة خلفت وراءها ضحايا وحرائق وانهيارات فى البنية التحتية، وفى الوقت الذى تسجل فيه درجات الحرارة أرقامًا قياسية فى مدن عربية وعالمية، لم تكن مصر بمنأى عن هذه الموجة، حيث سجلت العديد من المحافظات حرارة خانقة أثرت على الحياة اليومية.
ويحذر علماء المناخ من إن تغيّر نمط التيارات النفاثة بفعل الاحتباس الحرارى زاد من تكرار واستمرارية هذه الظاهرة، كما أن المحيطات الأكثر دفئًا تساهم فى تغذية الكتل الهوائية الحارة بالطاقة.
فى مصر، بلغت درجات الحرارة هذا الأسبوع ذروتها فى محافظات الصعيد، حيث سجلت أسوان والأقصر 44 إلى 46 درجة مئوية، فيما وصلت فى القاهرة الكبرى إلى 42 درجة وسط رطوبة خانقة رفعت الإحساس الفعلى بالحرارة إلى ما يعادل 47 درجة.
وأعلنت الصحة تسجيل عشرات الحالات إصابة بالإجهاد الحرارى وضربات الشمس خلال الأيام الماضية، منها حالات فى حالة حرجة، خاصة بين كبار السن والعمال فى المناطق المفتوحة.
كما أعلن مستشفى حميات العباسية حالة الطوارئ القصوى بعد استقبال عشرات الحالات يوميًا، بينما كثّفت وزارة الصحة من فرق الإسعاف الميدانية فى محطات القطارات والأسواق العامة.
وفى محافظة المنيا، اندلع حريق محدود فى سوق شعبى بمدينة سمالوط بسبب اشتعال ذاتى لمواد بلاستيكية تحت أشعة الشمس الحارقة.
وأطلقت مصر بدورها حملة توعوية لمواجهة الإجهاد الحرارى، شملت نصائح للترطيب المستمر، وارتداء ملابس فاتحة، وتفادى النشاط البدنى خلال ساعات الذروة. وقامت الجهات المعنية إلى تعزيز التواجد الطبى وتوفير نقاط إسعاف متنقلة فى الأماكن العامة.
وقال البروفيسور مايكل مان، أحد أبرز علماء المناخ بجامعة بنسلفانيا: «القبة الحرارية لم تعد ظاهرة نادرة، بل باتت جزءًا من النمط المناخى المتغير، إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة، فإن حرارة اليوم ستكون الحد الأدنى فى سنوات قادمة».
ورغم قلة التغطية الإعلامية مقارنة بالغرب، إلا أن العالم العربى تأثر بوضوح: فى العراق، أدت القبة الحرارية إلى موجة عطش فى جنوب البلاد، ونزوح بعض السكان من المناطق غير المخدّمة بالكهرباء.
سجل العراق أعلى درجات حرارة فى العالم هذا الشهر، حيث بلغت 53 درجة مئوية فى البصرة، وذكرت وزارة الصحة العراقية أن أكثر من 340 حالة إصابة بالإجهاد الحرارى استقبلتها المستشفيات خلال أسبوع واحد، بينها 6 حالات وفاة مؤكدة.
وانهارت أجزاء من شبكات الكهرباء فى بغداد والبصرة، ما أدى إلى انقطاع التيار لساعات طويلة، خاصة فى المناطق الشعبية، وسط احتجاجات متفرقة على غياب الخدمات.
وشهدت دول الخليج تقليصًا فى ساعات العمل وإغلاقًا لبعض المرافق الحيوية أثناء ساعات الذروة.
ووصفت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية الوضع الحالى بأنه «أحد أسوأ موجات الحرارة خلال القرن»، مشيرة إلى أن «القبة الحرارية» -وهى نظام ضغط مرتفع يحبس الهواء الساخن- تسببت فى ثبات الكتل الهوائية الحارة فوق مناطق واسعة لعدة أيام دون انفراج.
وأعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية فى تقريرها الأسبوعى أن هذه الموجات الحارة هى نتيجة مباشرة لتسارع التغيرات المناخية وارتفاع انبعاثات الكربون، داعية إلى تفعيل اتفاقيات المناخ العالمية قبل أن تصل الأرض إلى «نقطة اللاعودة».
وفى السياق ذاته، قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش: «نحن فى عصر الغليان العالمى، وليس مجرد الاحترار».
فى مواجهة هذا التصعيد المناخى، اتخذت عدة دول خطوات عاجلة، حيث علقت مصر بعض الأعمال الميدانية خلال الظهيرة، نشر وحدات طبية متنقلة، وتوزيع منشورات توعوية فى وسائل النقل.