رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

قضية ورأى

تسعى إسرائيل لإقامة ما أسمته «مدينة إنسانية» على أنقاض مدينة رفح جنوبى قطاع غزة، جامعة 600 ألف فلسطينى أصحاب الأرض خلف سياج ضخم.
وثمة توافق نادرا ما يحدث على رفض الفكرة العقابية، جمع العرب ومعارضين إسرائيليين، كان أصدقهم رئيس العمليات السابق بجيش الاحتلال الإسرائيلى يسرائيل زيف، حين كتب: «المدينة الإنسانية المخطط لها اسم ملطف لأكبر معسكر احتجاز بالتاريخ.. والحكومة تطيل أمد الحرب العبثية بعد أن فقدت بوصلتها وضميرها».
لكن هيهات أن يتراجع سفاح الحرب نتنياهو.
بداية، لن تختلف «المدينة اللاإنسانية» عن معسكرات الاعتقال النازية أوشفيتز، وداخاو، وتريبلينكا التى خطها هتلر لإبادة اليهود والغجر والمعارضين السياسيين والمثليين وذوى الإعاقة، أو معسكرات البوير فى جنوب إفريقيا التى أقيمت لقمع مقاومة المحتل البريطانى والهولندى.
لكن ما يثير الدهشة، استدعاء الإسرائيليين، لنفس أدوات وآليات تعذيبهم تحت الحكم النازى فى القرن الماضى، ما يعنى أنهم يحتاجون لعلاج نفسى. 
حاولت أن أبحث عن التأصيل الفلسفى لظاهرة تلذذ المحتل الإسرائيلى بتعذيب الضحية الفلسطينية، واكتشفت أن «المغلوب»، حين يُحرَم من العدالة والمعنى والكرامة، قد لا يسعى لتحرير نفسه فحسب، بل لسلب الآخرين نفس ما سُلب منه، كأن فى إعادة القهر نوعاً من «الشفاء المعكوس».. وذلك فالجلاد النازى لايزال يعيش داخل النفسية اليهودية التى كانت مغلوبة فى الفترة من 1933 1945.
فالمنطقى بعد انتحار هتلر، أن اليهود كانوا سيظلون فى أوروبا آمنين مطمئنين ومكرمين بصحبة الحلفاء المنتصرين.. لكن ما حدث هو العكس، إذ هجروا أوروبا ومارسوا احتلالا موازيا فى أرض فلسطين، وأذاقوا أبناء الأرض صنوفا من التعذيب المادى والمعنوى، وقتلوهم وهجروهم.. والآن يقيمون لهم معسكرات اعتقال.
وثمة تأصيل فلسفى ونفسى واجتماعى لظاهرة تماهى المغلوب مع الغالب، وقد نوقشت فى سياقات فكرية عديدة، خاصة فى الفلسفة السياسية، وعلم النفس الاجتماعى، ودراسات ما بعد الاستعمار.
فالإسرائيليون استوعبوا منطق القوة، وأعادوا إنتاجه لتدمير أعدائهم الضعفاء، وهذا يفسر جرائم استخدام القوة المفرطة فى التصدى للمدنيين.
فالطائرات المقاتلة من «اف 16» و«اف 35»، تستخدم لدك شقق ومنازل صغيرة، والدبابات الميركافاه تستخدم لتصفية المدنيين، والفرق المدرعة تهاجم أطفالا مسلحين بالحجارة.
قبل أن يلقى حتفه عام 1940، ميز الفيلسوف اليهودى الألمانى والتر بنيامين، بين نوعين من العنف وهما عنف مؤسِس للقانون، وعنف حافظ للقانون. وقال إن كثيرا من المقهورين يعيدون إنتاج النوع الأول فى محاولتهم للسيطرة بعد التحرر.. وربما نسى أن يقول»: كثير من المقهورين يعيدون إنتاج النوع الأول فى محاولتهم للسيطرة بعد احتلال أراضى غيرهم».
فهذا ما يحدث فى فلسطين، إذ يعيد الإسرائيليون إنتاج النموذج النازى للسيطرة على الفلسطينيين.
الفارق، أن المجتمع الغربى الحر، وقف أمام الجرائم الهتلرية ضد الإنسانية، واحتشد لمواجهتها عسكريا إلى أن انتصر عليها فى الحرب العالمية الثانية.. بينما تدعم بعض دوله علنا الجرائم الصهيونية ضد الإنسانية فى العصر الحديث.
إنها ازدواجية السلوك والخطاب الغربية، فى أقسى وأبشع صورها.
ورب مدينة «لا إنسانية» فضحت الإنسانية جمعاء.