تعيشى يا بلدى
تناولت من قبل فى أكثر من مقال فى هذه الزاوية قانون تأجير المستشفيات الحكومية للقطاع الخاص قبل صدوره فى يونيو الماضى، وقلت إن هذا القانون سيحرم المرضى الغلابة من حقهم الدستورى فى الحصول على الخدمات الطبية، وحذرت، أنا وغيرى من المهتمين بالشأن الصحى، من أن هذا القانون، يكرِّس لفكرة انسحاب الدولة، ليس فقط من تقديم الخدمة، ولكن أيضًا من الالتزام بنسب الإنفاق المحددة دستوريًا لقطاع الصحة، أى نحو 3% من الناتج القومى الاجمالى.
وللأسف الشديد صدر القانون فى يونيو الماضى رغم اعتراضات قوى سياسية ونقابية وحقوقية ليزيد من صعوبات الفقراء فى المدن والريف فى الحصول على حقوقهم بالرعاية الصحية.
والبداية من مستشفى دار السلام «هرمل» التى كانت ملاذا للسيدات من مرضى أورام الثدى والتى تم تحويلها وفقا للقانون إلى معهد «جوستاف الروسى الدولى - مصر»، بالشراكة مع المؤسسة الفرنسية الرائدة فى علاج الأورام، حيث بدأ بالفعل التضييق على المريضات فى الحصول على الخدمات الطبية، وهو ما كان متوقعًا، ومع ذلك فإن الدولة ممثلة فى وزارة الصحة والسكان تجاهلت معاناة المرضى وأعلنت مؤخرًا عن تفاصيل خطة جديدة لإسناد 40 مستشفى آخر للقطاع الخاص بعدد من المحافظات على مستوى الجمهورية، ضمن الخطة الاستثمارية لقطاع الصحة خلال السنوات العشر المقبلة!.
بالطبع هذا الطرح جاء مدعومًا بقانون «منح التزام المرافق الصحية» الذى أُقر فى يونيو الماضى، والذى يتيح الشراكة مع القطاع الخاص وفى ظل صرخات كثير من مرضى الأورام من تأخر إجراءات علاجهم بمستشفى هرمل والذين طالبوا بتشكيل لجنة لمراجعة الأوضاع بالمستشفى.
فإذا كانت أولى التجارب قد جاءت مخيبة لآمال المرضى فلماذا تمضى وزارة الصحة فى التوسع فى هذه الشراكات؟، ولماذا تتجاهل الآلام وصرخات المرضى وهم ليسوا أى مرضى؟، إنهم مرضى أورام يا معالى نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، وهؤلاء دعواتهم ليس بينها وبين الله حجاب، أقولها مخلصة لله تعالى، اتقوا الله فى المرضى الغلابة وأخرجوهم من حساباتكم فى الاستثمار والتربح.
توقفوا عن تصريحاتكم المستفزة عن الدور الذى سيقوم به القطاع الخاص فى تطوير المنشآت الصحية، وتحسين جودة الخدمات للمرضى، وعدم المساس بحقوقهم، هؤلاء المرضى الذين يتجرعون كل لحظة مرارة الألم لم يطلبوا تحسين جودة ولا تطوير فقط يهمهم الحصول على العلاج المجانى الذى كفله لهم الدستور، والقطاع الخاص يا سادتنا لن يقدم خدماته مجانا للغلابة، وإذا كان يريد حقا أن يقدم خدماته فى قطاع الصحة فأمامه المجال متسعًا لينشئ مستشفيات جديدة ويترك المستشفيات الحكومية للغلابة.