خذلته 18 ألف رسالة تستغيث به وتستعجله القدوم إلى الكوفة
يا لثارات «الحسين»
عاشوراء.. ذكرى استشهاد سبط النبى وريحانته وسيد شباب أهل الجنة
المختار الثقفى يخرج من رحم الندم وينذر نفسه للثأر والقصاص من القتلة
أرض الـ«كرب» والـ«بلاء» تروى بدماء الحسين واثنين وسبعين من أهل بيته
«يا لثارات الحسين».. يا لثارات الحسين».. ليست لنا وحدنا، بل لكل من خذله العالم، وكل من وجد نفسه بصدد الظلم يقول لا كما قالها «الحسين»، فيغيب كما غاب بعزٍ غير منكسر، هى ليست حكاية ماضٍ، بل حاضر يتكرر كل يوم ألف مرة، ففى كل صباح كربلاء جديدة، ولنا فى أهل غزة وإيران كُرُبًا لا تنتهى.. فطالما كان العالم قبيحًا.

«يا لثارات الحسين» صرخة ما زالت تدوى فى آذاننا، فلم يكن «الحسين» فقط سبط النبى وريحانته، ولا أخًا «للحسن» الذى رتق فتق الأمة، وتنازل عن الخلافة لمعاوية بن ابى سفيان، بعد مقتل أبيه علىّ بن إبى طالب فى مسجد الكوفة، عندما كان ينادى فى الناس لصلاة الفجر، فكان رأسه مهرًا «لقطام بنت شجنة» ابنة الخوارج، بعدما جزّ عنقه خنجر خطيبها ابن ملجم المرادى. بعدها تنازل «الحسن» رغم إجماع أهل المدينة عليه، عن الخلافة شفقًة منه على دماء المسلمين التى استُبيحت أمام عينيه فى معركة الجمل ومرورًا بصفين ووصولًا للنهروان. وفضل ترك الدنيا لمحبيها متوجهًا إلى ربه مؤثِرًا مناجاته بعيدًا عن المُلك والإمارة، لكنهم ما تركوه يهنأ حتى بسجادة صلاته، فَسقوّه حليبًا لم يكن من بين فرثٍ ودم، بل كان مسمومًا، مزق كبده ألمًا أيامًا وأيامًا حتى زاره ملك الموت ليخفف عنه وجعه، وليوجع أمة لم تكن تستحق صحبته، فاستودع آل بيت رسول الله أمانة عند الله، موصيًا بهم أخاه الأصغر «الحسين» الذى كان ضحية لشهامته. عندما خذلته ثمانية عشر ألفاً من الرسائل التى وصلته تستغيث به وتستعجله القدوم إلى أرض الكوفة، تلك البلدة التى نالت نصيبًا من اسمها، فكف بصرها، فلم تر رايات كُتب عليها لا إله إلا الله، ولا الدم الذى أُريق فى الصحراء التى جدبت أرضها. اللهم إلا من نخلة احتضنت قطعًا من أجساد رفع الله عنها الرجس وطهرهم تطهيراً، فشربت رمال «الطّفْ» من الدماء ما شربت ولم ترتو فصار أسمها «كربلاء». فالمنطقة التى شرفها الحسين ونزلها هو وأهله فى صحراء العراق، كان يطلق عليها «الطّفْ» فى أرض «نينوىَ»، فلما كُرِبت وابتُليَت كانت «كربلاء»، فكأن الطفْ ونينوىَ وكربلاء أسماء لجرح واحد ودمٍ لا يُنسى. فصارت نارًا فى قلوب الأحرار، وسؤالاً لم تجب عليه سنون الغدر والجبن. كيف يُقتل ابن بنت رسول الله، ويصمت الجميع؟
لم يكن «الحسين» فى ذلك الوقت غُرًا صغيرًا لتخدعه الرسائل التى وصلت إليه من أهل الكوفة، فقد كان قد تجاوز الستين بأربعة أعوام، خبُر فيها أمور النبوة والخلافة والسياسة، لذلك قبْل أن يشُد رحاله إلى العراق، أرسل إلى أهلها «بمسلم» ابن عمه عقيل بن أبى طالب، ليستوثق منه ما جاءه من استقباح الناس هناك لخلافة يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وعندما وصل «مسلم» إلى الكوفة وكانت وقتها فى ولاية النعمان بن بشير بما عُرف عنه من حِلم وأدب وصحابة للرسول، ما أن وصل «مسلم» حتى أحسن استقباله أشراف الكوفة وعواقلها، فاطمأن قلبه وأرسل إلى «الحسين» يبشره ويدعوه أن يستبشر خيرًا فى القدوم إلى أرض العراق. لكن ماهى إلا ضحية وعشاها حتى انقلبت الأمور، وولى يزيدُ بن معاوية أمرَ الكوفة إلى عبيد الله بن زياد، الذى أظهر عيون الذئب الحمراء إلى كل فكر فى نصرة «الحسين». فانفض الكوفيون عن ابن عقيل، وتركوه فى أزقة المدينة بلا مأوى ولا حتى شربة ماء، بعدما قُتِل هانئ بن عروة صاحب على بن أبى طالب والذى كان قد كفّل «مسلم» وآواه فى بيته عند قدومه إلى الكوفة. فنقر «مسلم « النوافذ والأبواب من أجل شربة ماء فلم يسقيَه أحد، لم يكن يعلم ابن عقيل وقتها أن الموت على العطش كُتب على آل بيت رسول الله. وثمة كلمة واحده قالها ابن عم الحسين قبل أن يقطع والى الكوفة رأسه: «أما منْ تقىٍ يقول للحسين «ارجع». ولكن الله كان قد قضى قدره لحكمة لا يعلمها إلا هو، فعدما وصل الشخص الذى تطوع بإرسال نصيحة «بن عقيل» لابن عمه كان «الحسين» فى طريقه إلى أرض العراق، وكانت مذبحة «كربلاء».
ومن بعدها أصبحت الكوفة إذا ما أقبل محرم من كل عام، استفاقت من صمتها الطويل، فيسأل الكوفيون بعضهم بعضًا، هل نُسب الغدر لنا؟ فسرعان ما تخلع المدينة ثوب العيد الماضى منذ أيام معدودات، وترتدى السواد كأنها أمٌ ثكلى لا تنسى ابنها أبداً، تتناثر فى طرقاتها رائحة دم لا يعرفه غيرها، فيطفئ أصحاب البيوت قناديلها طوعًا، ويشعلون شموع الندم، كأنهم يقولون: «ما زلنا ننتظر رجوعك يا ابن فاطمة كى ننصرك»، فتملأ النساء الأوانى بالماء لا ليشربه الصغار، بل لتبكى على العطاشى، هؤلاء الصغار الذين فرضت أمهاتهم على آبائهم أن سمىّ شهداء كربلاء، هؤلاء الرجال الذين يضربون صدورهم لا ندمًا بل تذكيرًا بالمدينة التى خانت ثم بكت. فتسير المواكب بين الأزقة تصرخ: «واحسيناه».
فى الحقيقية أننى فى كل عام كنت أرى فيه أهل العراق كيف يقيمون ذكرى العاشر من عاشوراء وذكرى مقتل سبط رسول الله الحسين وأصحابه، كانت تصيبنى الدهشة فيهم، وأتساءل ما هم فاعلون؟ هل يعودون كل عام إلى الجاهلية فيشقون الجيوب ويلطمون الخدود ويهيلون التراب على وجوههم؟ كنت أتصور أنهم أناس غير راضين بقضاء الله، ولكن منْ يحاول الاطلاع على حقيقية حزنهم، يوقن أن الغدر والخيانة والخذلان الذى قدمه هؤلاء القوم لحفيد رسول الله وأصحابه، لا يوجب عليهم النحيب كل عاشوراء فقط، إنما يوجبه عليهم كل يوم، فقد أصبحوا قومًا الأسود يليق بهم.
كيف احتمل أمراء الكوفة النظر إلى رأس «الحسين» معلقًا على أسنة الرماح، ذاك الرأس الذى كان يهدهده رسول الله كل يوم بين كفيه، كيف لانَ لهم أن يضعوا أعينهم فى عينى الحسين وجسده ممد فى صحراء «كربلاء» يتغمده ألف رمح تحت شمس حارقة ووسط وحوش ضارية. لقد آتتهم قلوبهم أن يقتلوا أهل بيت رسول الله، لكن كيف آتاتهم أن يأمروا بعدم مواراة هذه الدماء الطاهرة التراب لثلاثة أيام كاملة بعد انتهاء المذبحة، حين أمر عبيد الله بن زياد بعدم دفن القتلى من أهل الحسين، وسبى النساء والأطفال من أهل بيته، وحمل رؤوس الشهداء إلى الكوفة.
لكن الله لا يترك أولياءه أبدًا، فقد وضع الشجاعة فى بعض الرجال والرحمة فى قلوبهم، بعدما تُركت الجثث فى العراء تحت الشمس، بلا كفن ولا دفن، يهددها الطير والوحوش. ففى الثالث عشر من محرم، سكنت الصحراء كأنها تتسمع وقع الخطى، عندما خرج من أطراف كربلاء بعض رجال من بنى أسد، يحملون أكفانًا لا تليق بعظم من ستلُفهم، ومعاول مفككة تحملها أيدٍ مرتعشة ملأى بالرعب خشية أن يراها أحد. طأطأوا رؤوسهم بين الجثث الطاهرة خجلًا وحزنًا، لا يعرفون لمن هذا الجسد ولمن ذاك، بعدما فُصلت الرؤوس عن الأجساد.
ووقف بينهم شاب طويل يرتعش جسده النحيل من أثر الحمى، وجهه مصفرّ يمشى متكئًا على عصاه، فقد كان الناجى الوحيد من أبناء أبيه «الحسين»، بعدما قتلوا جميع أخوته حتى الرضيع «عبد الله» الذى عُرف باسم «علي» الأصغر بن الحسين، وكان أصغر أبناء الإمام الحسين، وكان فى يوم عاشوراء رضيعًا لم يُكمل شهره السادس، وعضه الجوع بعدما جف ثدى أمه «الرباب» زوجة «الحسين» التى لم تذق زادًا ولا ماءً منذ ثلاثة أيام، فحمله أبوه بين يديه يطلب له شربة ماء، لكن السهم الخسيس أتى من قوس حرملة بن كاهل الأسدى، فشق عنق الصغير من الوريد إلى الوريد، فشهق «الحسين»: «إنا لله وإنا له راجعون».
هذا الابن الوحيد الناجى فى هذه المذبحة كان على زين العابدين بن الحسين، بعدما أنهكته الحمى من قلة شرب الماء فى صحراء «كربلاء» تلك البقعة الهالكة على شاطئ الفرات وبعدما فشل عمه «العباس» فى إحضار قربة ماء، فقتله القاتلون وخرقوا قربة مائه، مستحسنين أن تشربها الرمال، على أن يحملها «العباس» إلى أخيه وأهله.
وقف «زين العابدين» بين الدافنين من بنى أسد لا يبكى على أهله، إنما محاولًا التعرف عليهم من خلال أجسادهم وسترات أجسادهم التى مزقتها السيوف، فالقوم لا يعرفونهم، فانحنى يقول: «هذا أبى، وهؤلاء أخوتى، وهؤلاء أبناء عمى عقيل، وهؤلاء أبناء عمى جعفر، وهؤلاء أبناء عمتى زينب. اثنان وسبعون جسدًا أُلقيت على الرمال تربط بينها بحور الدم فى الموت، مثلما ربطت بينها فى الحياة.
لم يكن سهلاً أن يحمل شخص جسدًا مقطّعًا، أو رأسًا مفصولًا، ويقول: «هذا فلان»، لكنهم فعلوا، ودفنوا الأجساد الطاهرة، ودُفن الحسين حيث سقط، وحوله أصحابه يؤنسون بعضهم بعضًا، أما أبو الفضل العباس، فقد دُفن بعيدًا وحده قرب الفرات، كأن جسده لا زال يحرس الماء الذى حُرِم على الأطفال والنساء.
عندما اجتز شمر بن ذى الجوشن رأس الحسين صرخ: «سأقتلع شأفة هذا البيت حتى لا يكون من نسله من يطلب منا ثأرًا. لكن ليس هكذا تصير الأمور، فقد يمكرون ولكن مكر الله أكبر، فبعد سنوات ليست بالكثيرة خرج منْ هو لم يكن من آل بيت رسول الله، طالبًا بثأره ومقسمًا على أخذه، ففى الكوفة التى صمتت أمام دم الحسين، أعاد المختار الثقفى ترتيب البيت. فكان صوته هو وأصحابه كأنه صدى لنداء الحسين: «أما من ناصر ينصرنا؟.
فبعدما مرت السنوات ثقيلة، والناس فى الكوفة يرون دم الحسين فى الأزقة كلما فتحوا نوافذ بيوتهم. ظهر «المختار» ذاك الثقفى الذى خرج من رحم الندم، يقوده يقين بأن كربلاء لا تُنسى، وأن من باع الحسين، لن ينجو من لعنة الدين والتاريخ، فقام هو وأصحابه ناذرين أنفسهم للقصاص، من كل منْ خذل الحسين، فقام معه كيان أبو عمرة الرجل الذى ذبح والى الكوفه زوجه وابنه الرضيع، بعدما حمل سيفه وضرب قاتل الحسين، شمر بن ذى الجوشن. وعبدالله بن كامل الشاكرى، الذى توعد وهدد فى وجه «أبن زياد».
وإبراهيم بن مالك الأشتر النخعى الذى أكمل طريق الدفاع عن آل بيت الرسول بعد أبيه مالك الأشتر قائد جيوش على بن إبى طالب، فقاد جيش المختار ضد قاتلى الحسين. لم يكن المختار الثقفى ملاكًا ولا نبيًا، بل رجلًا يحمل حميته بين ضلوعه، ففعل ما رآه يشفى غليله.
تُعدّ واقعة كربلاء واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا فى التاريخ الإسلامى، لما حملته من مأساة إنسانية وصراع أخلاقى بين الإنسانية والوحشية.
بدأ الفوران بعد وفاة الخليفة معاوية بن أبى سفيان، حيث رفض الحسين بن على مبايعة يزيد بن معاوية، معتبرًا أن بيعته غير شرعية ومفروضة بالتوريث والقوة، وعلى الجانب الآخر من المشهد كان أهل الكوفة يرسلون للحسين بآلاف الرسائل، يدعونه لخلافتهم بدلًا من «يزيد».
وفى بداية عام 61 من الهجرة استجاب الحسين لدعوة أهل الفرات، وغادر مكة بوجهتهم برفقة أهله وصحبه، لكنه فى الطريق علم بتوتر الأمر فى الكوفة، كما عرف برمى سفيره مسلم بن عقيل من علية سور قصر عبيد الله بن زياد الوالى.
فقرر «الحسين» العودة بأهله من حيث أتوا، لكن عمر بن سعد بن أبى وقاص اعترض طريقه، وأبى عليه العودة إلى دياره سالمًا، وطلب منه المثول بيد يدى «بن زياد» بما يحمله ذلك من مذلة وخضوع لآل البيت، لكن «الحسين» رفض ذلك، وطلب التوجه إلى الشام مباشرة، حيث يقيم الخليفة يزيد بن معاوية، لكن عمر بن سعد رفض ذلك أيضًا. وهنا نقطة ثمة أمر موجع. لا بد من توضيحه «فعمر» هذا هو بالفعل عمر ابن سعد ابن أبى وقاص صاحب رسول الله، وأحد رجالات مجلس شورى المسلمين، فهذه هى الحقيقة، وليس تماثلًا فى الأسماء، فقد كان الجيل الثانى من أبناء الصحابة جيلًا مختلفًا عن آبائهم، فصلح منهم منْ أراد الله له الصلاح، لكن عمر بن سعد أراد ولاية مدينة «الرى» حيث وعده بها «بن زياد» إذا ما قبل بالخروج إلى الحسين قاصدًا شرًا، فقبل!!
سد عمر بن سعد الطريق على الحسين، وأجبره هو ومن معه من الجنود على النزول فى صحراء كربلاء، حيث حوصر مع أهله لمدة ثلاثة أيام، مُنع عنهم فيها الماء.
وفى يوم عاشوراء العاشر من محرم 61 هـ هاجم جيش عمر بن سعد «الحسين» ومنْ معه وهم يقيمون الصلاة، واستشهد الحسين ومعه اثنان وسبعين من أهل بيته وأصحابه بعد، ثم سُبيت النساء والأطفال، وسُيّرت رؤوس القتلى إلى والى الكوفة عبيد الله بن زياد، ثم إلى يزيد فى دمشق.