تصاعد نقص الأسمدة
توقف ضخ الغاز يشعل أزمة بين شركات الأسمدة والفلاحين بالإسكندرية
«غرفة الصناعات»: قرارالوقف اضطرارى ونحذر من سيطرة السوق السوداء
نقيب الفلاحين: نطالب الحكومة بحلول عاجلة لحفظ الأمن الغذائى
شهدت شركات الأسمدة بمحافظة الإسكندرية أزمة حادة إثر توقف ضخ الغاز الطبيعى، ما أثار حالة من الارتباك فى القطاع الصناعى الزراعى، وتخوفات بين العاملين والفلاحين على حد سواء، فى ظل توقعات بزيادة أسعار الأسمدة بنسبة تصل إلى 10% فى السوق المحلية.
ويُعد الغاز الطبيعى مكونًا رئيسيًا فى صناعة الأسمدة، حيث يُستخدم كمادة خام وطاقة لتشغيل المصانع، وأدى قرار الحكومة بوقف أو تقليص إمدادات الغاز للمصانع إلى تراجع ملحوظ فى الإنتاج، وارتفاع التكاليف، وانخفاض الصادرات، ما ينعكس سلبًا على أداء الشركات ومعدل ربحيتها.
جاء هذا القرار على خلفية التوترات الإقليمية الأخيرة، وتحديدًا بعد تصاعد النزاع العسكرى بين إسرائيل وإيران، والذى تسبب فى وقف تشغيل حقل «ليفياثان» البحرى، أحد أبرز مصادر إمداد الغاز فى المنطقة،
ويقع مكمن الخطر فى أن الغاز لايستخدم فى صناعة الأسمدة كوقود للمصانع والشركات فحسب، ولكنه يعتبر إحدى المواد المستخدمة فى تصنيع الأسمدة التى تعتبر من الصناعات فى استخدام الطاقة، ويشكل الغاز الجزء الأكبر فى عملية إنتاج الأسمدة، وامتدت تأثيرات الأزمة إلى السوق المحلية، حيث ارتفعت أسعار الأسمدة بنسبة تصل إلى 20٪ خلال أسبوع، ما أثار مخاوف من تفاقم تكاليف الزراعة.
وتشهد الأسواق تراجع المتاح من أسمدة «اليوريا» بصفة خاصة، وهى أساس الأسمدة المطلوبة فى محصول الأرز الموجود فى الأرض حاليًا، بينما دعا البعض إلى العودة إلى الأسمدة الطبيعية، حيث إن المجتمع الزراعى فى مصر لديه خبرات متراكمة، وكميات من المخلفات الطبيعية يمكن الاستفادة منها.
وتعتمد الجمعيات الزراعية على صرف أسمدة «النترات»، وهى صالحة لبعض الزراعات، ولكنها غير مفيدة بالمرة لمحصول الأرز، ما يهدد بتراجع المحصول بكميات تصل لنحو 50٪ من الإنتاج.
ومع تصاعد الأزمة، اتجه التجار إلى تخزين كميات من الأسمدة وتم وقف عمليات البيع بدعوى عدم وجود مخزون، وعادة ما يلجأ التجار لهذا الأسلوب فى وقت الأزمات لتحقيق مكاسب كبيرة، حيث يصل سعر شيكارة الكيماوى وقت الأزمة لنحو 2000 جنيه، بينما سعرها الرسمى فى الجمعية الزراعية نحو 370 جنيهًا فقط، وناشد المزارعون وزارة البترول بسرعة توفير كميات من الغاز.
وبالرغم من أن العالم بدأ يتخلى عن الكيماويات المخلقة وعدم الإفراط فى استخدام الأسمدة الأزوتية، وتعمل دول العالم على مفهوم الزراعة العضوية -أى زراعة المحاصيل الزراعية المختلفة بدون استخدام اى انواع من الأسمدة وهى البوتاسية والفوسفاتية والأزوتية -، وكذلك المبيدات الكيماوية المختلفة، سواء كانت مخلقة أو صنعة، ويقتصر التسميد على المخصبات الحيوية والعناصر الطبيعية فقط، وايضاً مكافحة الآفات بأستخدام مركبات حيوية غير كيميائية، كما يشترط فى البذور ان تكون من مصدر عضوى وغير معاملة كيميائياً او وراثياً.
وأبدى الفلاحون تخوفهم من أن أزمة غلق مصانع الأسمدة تُعنى تعرض آلاف العمالة لخطر البطالة وعدم توفر الأسمدة وان ذلك يعنى عدم وجود زراعة وهو خطر كبير، حيث يضطر الفلاح لتكبد مبالغ كبيرة لزراعة المحصول، وهو ما يؤدى إلى ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية.
أكد المزارعون، أن الفلاح لن يستطيع تحمل أعباء جديدة وأن إختفاء الأسمدة وإجبار الفلاح على اللجوء للسوق السوداء للحصول على الأسمدة بأسعار مبالغ فيها نتج عنه ارتفاع فى أسعار المحاصيل بصفة عامة , لأن الفلاح طبيعى سيقوم بتحميل هذه الزيادات على أسعار المحاصيل، لتعويض خسائره، وأكدوا أن الفلاح مظلوم .. فقد أصبح محاصرًا بالأزمات من جميع الجوانب فهو يخرج من أزمة لأخرى «مش عارف يلاقيها منين ولا منين» فهو يعانى من نقص كميات الأسمدة ويقوم بشراء الأسمدة من السوق السوداء بأسعار باهظة، حيث يشترى شيكارة الأسمدة ب 1500 جنيه».
وأكدت مصادر حكومية أن هذه الأزمة تسببت فى خفض إمدادات الغاز لبعض المصانع بنسبة 100%، ولأخرى بنسبة 50%، دون وجود جدول زمنى واضح لاستئناف الضخ، فى ظل استمرار الاضطرابات الجيوسياسية، ما أدى إلى تصاعد شكاوى الفلاحين من عدم توافر الأسمدة فى الجمعيات الزراعية بمختلف المحافظات.
وأكد بعض المزارعين، أن الجمعيات الزراعية لا تصرف لهم كامل حصصهم المقررة من الأسمدة، فى الوقت الذى تباع فيه كميات كبيرة من الأسمدة المدعمة إلى التجار فى السوق السوداء، الذين يستغلون هذا الوضع لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، ما يزيد من الأعباء المالية على الفلاحين، ويهدد استقرار القطاع الزراعى ككل.
وتشهد المحافظات حالة من التخبط فى أسعار الأسمدة نتيجة تأخّر صرف الأسمدة بالجمعيات الزراعية والخاصة بزراعات الموسم الصيفى وعلى رأسها الذرة الشامية والتى تحتاج إلى كميات كبيرة من الأسمدة، وسط تخبط فى القرارات بين جمعية وأخرى، فهناك جمعيات قررت صرف شيكارتين فقط للفدان الواحد وأخرى أقرت بثلاث شكائر ولكنها لم تبدأ الصرف حتى الآن.
وبالرغم من قيام المزارعين بالفعل بزراعة محصول الذرة بكل أنواعها بأنهم ما زالوا ينتظرون صرف باقى مستلزمات الإنتاج من الجمعيات الزراعية التابعين لها عن الموسم الصيفى بعد وصول الأسمدة الى أغلب الجمعيات من سماد اليوريا وسماد النترات.
الغاز العمود الفقرى لإنتاج الأسمدة فى مصر
قال الدكتور شريف الجبلى، رئيس غرفة الصناعات الكيماوية: إن وقف إمدادات الغاز للأسمدة الأزوتية كان قرارًا اضطراريًا، مشيرًا إلى أن الغاز يمثل العمود الفقرى لإنتاج الأسمدة، وأن توقف الإمداد يعنى توقف الإنتاج تمامًا، ما سيؤثر على التزامات الشحن والتصدير، فضلاً عن السوق المحلى.
وأوضح «الجبلي» أن مصر تصدر ما بين 3 و3.5 مليار دولار سنويًا من الأسمدة، لكن الأولوية الآن لتلبية احتياجات السوق المحلى، لا سيما مع زيادة الطلب فى الصيف، محذرًا من احتمالية وجود سوق سوداء للأسمدة، خاصة الأنواع غير المدعمة.
فى الإسكندرية، أعلنت إحدى شركات الأسمدة عن أنها قررت استغلال فترة التوقف فى تنفيذ خطط صيانة وقائية، فى انتظار استقرار أوضاع شبكات الغاز الإقليمية.
وأكدت الشركة أن القرار جاء بالتنسيق مع وزارة البترول عقب تقليص الإمدادات.
ورغم الجهود المبذولة لتقليل آثار الأزمة، تسود حالة من القلق بين عمال شركات الأسمدة، الذين يرون أن توقف الغاز يهدد بتوقف الإنتاج وتسريح المئات من العمال، وهو ما ينعكس بالسلب على أسرهم وأوضاعهم المعيشية، فضلاً عن تأثيره المباشر على السوق الزراعى الذى يعتمد كليًا على إنتاج المصانع المحلية.
كما عبر الفلاحون عن قلقهم من القرار، مؤكدين أن الأزمة لا تقتصر على القطاع الصناعى فقط، بل تمتد إلى القطاع الزراعى، خاصة مع اقتراب موسم الذروة من سبتمبر إلى يناير، وهى الفترة التى يزيد فيها الطلب على الأسمدة بشكل كبير.
وأشارالفلاحون إلى أن أسعار الأسمدة الحرة بدأت بالفعل فى الارتفاع، نظرًا لاعتمادها الأساسى على الغاز الطبيعى، الذى يشكل من 60 إلى 70% من مدخلات الإنتاج، لافتين إلى أن إنتاج محصول الذرة الشامية سوف يتأثر بسبب أزمة نقص الأسمدة.
وأوضح البعض أنهم لم يتمكنوا من صرف الأسمدة فى المواعيد المقررة والكل يعلم أن الذرة بكل أنواعها تحتاج إلى كميات كبيرة من الأسمدة قياساً بالمحاصيل الأخرى وتكررت نفس المشكلة فى المحاصيل الأخرى، مؤكدين عدم إمكانية صرف الأسمدة حتى الآن بالرغم من استخراجهم للبطاقات الزراعية الذكية التى يشترط وجودها حتى يتم صرف الأسمدة، مطالبين بتوزيع الأسمدة مع بداية الزراعة مع التوزيع العادل لكل المساحات والمحاصيل.
كارت الفلاح عائقًا أمام المزارعين
وأوضح بعض المزارعين، أن شرط وجود كارت الفلاح حتى يتم صرف الأسمدة، أصبح يمثل عائقًا أمامهم للحصول على حقوقهم، لأن هناك من قاموا باستيفاء الإجراءات الخاصة باستخراج الكارت من العام الماضى وما زالوا ينتظرون استلامه حتى الآن، ونطالب بوضع رقم خط ساخن بكل جمعية زراعية للإبلاغ فى حالة عدم صرف الأسمدة، حيث إننا قاربنا على نهاية الموسم الصيفى ولم يتم صرف الأسمدة حتى الآن.
فيما أوضح حسين عبدالرحمن صدام، نقيب الفلاحين، أن تأثير الأزمة لم يصل بعد إلى ذروته بفضل انخفاض الطلب الحالى ووجود مخزون لدى الجمعيات الزراعية، لكنه حذر من أن استمرار الأزمة سيؤدى حتمًا إلى ارتفاعات كبيرة فى الأسعار مع بداية موسم الزراعة القادم.
وفى ظل هذه التداعيات، يطالب نقيب الفلاحين والعمال والمزارعين الحكومة بإيجاد حلول عاجلة بديلة لضمان استمرار تشغيل المصانع، والحفاظ على استقرار الأسعار، وتجنب تداعيات قد تمس الأمن الغذائى والاقتصاد الزراعى.