تغيّرات جذرية في خارطة الكريبتو العالمية وسط تشدد تنظيمي متصاعد
تشهد سوق العملات المشفرة تحولات كبيرة في بنيتها الجغرافية والتنظيمية، مدفوعة بتزايد التدخلات الرقابية الحكومية، ومساعي السلطات حول العالم للحد من المخاطر المرتبطة بهذا القطاع سريع النمو.
في أعقاب سلسلة من الانهيارات الكبرى التي طالت شركات كريبتو عالمية خلال السنوات الأخيرة، تبنّت العديد من الجهات التنظيمية، لا سيما في آسيا، نهجاً أكثر صرامة في تنظيم الأسواق، من خلال فرض معايير قوية لمكافحة غسل الأموال وحماية حقوق المستثمرين. ونجحت عدة دول بالفعل في توفير أطر تنظيمية متقدمة، لكن ذلك دفع عدداً متزايداً من الشركات إلى إعادة التموضع خارج الدول التي شدّدت القواعد، بحثاً عن بيئات أكثر وضوحاً واستقراراً.
وتبرز كل من دبي وهونغ كونغ كمحطات رئيسية لهذا "النزوح التنظيمي"، لما توفرانه من تشريعات مرنة، وبنية تحتية مواتية، ودعم حكومي واضح يعترف بأهمية الأصول الرقمية في النظام المالي العالمي الجديد. ومن المتوقع أن تواصل هذه التحولات في رسم ملامح خريطة الكريبتو الدولية خلال السنوات القادمة، في ظل منافسة محتدمة بين العواصم المالية الكبرى على قيادة مستقبل الاقتصاد الرقمي.
سنغافورة تفاجئ القطاع وتدفع نحو إعادة التموضع
في خطوة مفاجئة، أعلنت سلطة النقد في سنغافورة خلال مايو عن قرار يلزم بورصات العملات المشفرة التي تخدم عملاء أجانب فقط – رغم اتخاذها من سنغافورة مقراً – بالحصول على ترخيص بحلول 30 يونيو، وإلا سيتم إغلاقها. وقد وصفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية هذا الترخيص بأنه "يصعب الحصول عليه"، واعتبرته وسيلة فعالة لاستبعاد اللاعبين غير المرغوب فيهم.
ووفقاً للتقارير، من المتوقع أن تستفيد كل من هونغ كونغ ودبي من هذا التحول، حيث تبدأ الشركات في نقل عملياتها إلى أسواق تتمتع ببيئة تنظيمية أكثر مرونة. وذكرت وكالة بلومبيرغ أن منصتي Bitget وBybit، وهما من أكبر بورصات الكريبتو العاملة في سنغافورة، بدأتا بالفعل بإعادة توزيع موظفيهما إلى مقرات جديدة في هونغ كونغ ودبي.
ورغم أن هذه القرارات قد لا تؤثر على غالبية شركات الكريبتو المرخصة داخل السوق السنغافورية، إلا أنها دفعت العديد من الشركات الدولية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها ومواقعها التشغيلية.
وصرّحت سلطة النقد بأن السبب الرئيس وراء التشدد مع الشركات التي تخدم عملاء خارج سنغافورة هو ارتفاع مخاطر غسل الأموال، وصعوبة الرقابة الفعالة على أنشطتها، مما يجعل منح التراخيص لهذه الفئة "نادرًا جدًا".
خبير: "تغيير جذري في موازين السوق الآسيوية"
ويصف محمد سعيد، خبير أسواق المال، في تصريح لموقع اقتصاد سكاي نيوز عربية، هذه الخطوة بأنها "تحول جوهري في موازين سوق الكريبتو الآسيوية". وأوضح أن البنك المركزي السنغافوري ألزم جميع الشركات التي تقدّم خدمات تداول أو محافظ أو أنشطة كريبتو من داخل سنغافورة إلى الخارج بالحصول على ترخيص قبل نهاية يونيو، أو التوقف الفوري عن العمليات، مع فرض غرامات قد تصل إلى 200 ألف دولار أميركي، والسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، دون أي فترات سماح.
وأشار إلى أن السلطات تهدف من خلال هذه القيود إلى سد الثغرات التنظيمية التي سمحت لبعض الشركات باستغلال سمعة سنغافورة كمركز مالي منظم، لتقديم خدماتها في أسواق غير خاضعة للرقابة المباشرة. كما أوضح أن منح التراخيص سيقتصر على الشركات التي تلتزم بأعلى معايير الامتثال ومكافحة غسل الأموال.
وأضاف: "الكثير من الشركات ستُجبر على الإغلاق أو إعادة التمركز، وهذا ما بدأنا نراه على الأرض. كل من Bitget وBybit بدأتا فعلاً خطوات لنقل الموظفين والبنية التشغيلية إلى دبي وهونغ كونغ". وأكد أن هاتين الوجهتين أصبحتا الخيار الأول للشركات الباحثة عن بيئة تنظيمية واضحة، مدعومة بسياسات مشجعة على الابتكار، لا سيما في دبي التي توفر مزايا ضريبية وبنية تحتية تكنولوجية واستثمارية متقدمة.
ويرى سعيد أن هذه الخطوة ستؤدي تدريجياً إلى تقليص دور سنغافورة كمركز إقليمي للكريبتو، مع انتقال السيولة إلى مراكز أخرى تتبنى سياسات أكثر توازناً، مردفاً: "نحن أمام عملية إعادة توزيع جغرافي لأنشطة الكريبتو في آسيا والشرق الأوسط".
سنغافورة تدفع ثمن أزمات الماضي
رغم أن سنغافورة كانت تُعدّ من أبرز مراكز الكريبتو في آسيا، وموطناً لمقار إقليمية لشركات مثل Coinbase وCrypto.com، فإنها لا تزال تعاني من تداعيات سلسلة من الأزمات التي شهدها القطاع في عام 2022، خاصة خلال فترات الركود الحادة، ما أثر على ثقة المستثمرين والشركات.
وقد حذرت العديد من شركات الأصول الرقمية من أن هذه السياسات الجديدة قد تؤدي إلى فقدان مئات الوظائف، خاصة في البورصات التي كانت تركز خدماتها على العملاء الدوليين.
ورغم أن التشدد السنغافوري قد يسهم في تعزيز الشفافية والثقة على المدى الطويل، من خلال الحد من الأنشطة المشبوهة وغسل الأموال، إلا أن تكلفة هذه الخطوات قد تكون خسارة جاذبية السوق أمام الشركات الناشئة ورواد الأعمال، بالإضافة إلى تباطؤ وتيرة الابتكار.
ويختتم سعيد بقوله: "نحن نشهد حالياً مرحلة إعادة تموضع استراتيجية في السوق. كل شركة تُعيد تقييم خياراتها: هل تتماشى مع القواعد الجديدة وتتحمل تكاليف الامتثال المرتفعة؟ أم تبحث عن بيئة أكثر مرونة وأقل تعقيداً؟".