سنموت بصمت: صرخات منسية لمرضى الجذام
في أحد أركان مستعمرة مرضى الجذام، يجلس إبراهيم عبد الحميد، شيخ تجاوز السبعين، بعينين تشعّان صبرًا ووجهٍ غلبته التجاعيد قبل أوانها.
وفد إلى المستشفى في أوائل السبعينات، بعد أن داهمه مرض الجذام منذ ستينيات القرن الماضي، فترك أثره على يديه، وشوّه ملامح أطرافه حتى انتهى الحال ببتر ساقه اليمنى.
تزوج إبراهيم من سيدة كانت تقاسمه المرض والمأوى، لكن برحمة الله، رزقا بطفلين أصحاء، في مفارقة تحمل بارقة أمل وسط محنة طويلة. إلا أن معاناة إبراهيم لم تتوقف عند حدود المرض، فقد شُخّص لاحقًا بمرض في القلب، ورغم حاجته الماسة إلى تدخل جراحي، إلا أن أطباء كثر ترددوا أو رفضوا التدخل الطبي بسبب إصابته بالجذام.
يقول إبراهيم بصوت متهدج: "لا أستطيع العمل… وإن خرجت من المستعمرة سأموت. هذا المكان بات عالمي الوحيد."
سنوات من العزلة والخذلان لم تفقده كرامته، لكنه لا يخفي وجعه من الإقصاء، والتمييز، والنسيان. حالة إبراهيم ليست فردية، بل تمثل صورة أوسع لمعاناة من ظُلموا بمرتين: مرة بمرضهم، ومرة بإقصاء المجتمع لهم.
"دعوني أموت بسلام"
على أطراف مستعمرة الجذام، يجلس الحاج عطية محمد، شيخ جاوز الثمانين، يغلفه الصمت وتغمره التجاعيد التي حفرتها خمسون عامًا من المرض والعزلة. بعينين منهكتين، لا يكاد يرفع نظره، وكأنه يختزن في داخله ما لا تُقال به الكلمات.
يعيش عطية في المستعمرة منذ نصف قرن، لم ينجب، وزوجته تعاني مثله من الجذام. لا أهل، لا أبناء، لا زوار. يعاني من فشل كلوي حاد، يضطره للذهاب إلى مستشفى الخانكة ثلاث مرات في الأسبوع لإجراء جلسات غسيل كلوي. لكن الممرضات هناك يخفن منه، رغم أن المرض غير مُعدٍ، فاضطرت المستعمرة إلى إرسال ممرضة ترافقه من الداخل، لتتكفل برعايته.
بيته؟ غرفتان متداعيتان، يكاد الأثاث فيهما لا يُذكر، لا شيء سوى السكون والفقر والرضا، ورغم ذلك، لا يشكو. لا يطلب الكثير. كل ما يرجوه – في خريف عمره – هو أن يُترك يعيش آخر أيامه بسلام.
ويختتم الحاج عطية بدموع خائفة"أنا مش طالب غير إني أموت هنا… وسط المكان اللي اتعودت عليه. أنا خلاص مليش في الدنيا حاجة."
الحاجة صباح.. ستون عامًا من العزلة
منذ ستين عامًا، دخلت الحاجة صباح مستعمرة الجذام، ولم تخرج منها يومًا. قعيدة الجسد، منهكة من السكر والضغط، لا تعرف لها أهلًا في الخارج، ولا يتبقى لها من العالم سوى باب منزلها الذي تجلس أمامه يوميًا، كنافذتها الوحيدة على الحياة.
تقول بصوت واهن:
"أنا عايشة هنا من زمان... معنديش حد بره، وأهلي الحقيقيين هما المرضى اللي حواليّ."
لا تطلب كثيرًا، سوى رحمة وعدل في أيامها الأخيرة، فتوجه نداءً حارًا إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي: "إحنا ناس ضعاف، وانت دايمًا مع الغلابة... بص لنا بعين الرحمة."