أوراق مسافرة
عذراً لكم سأرجئ اليوم حلقة من سلسلة مقالاتى حول مشاكل مجتمعنا وعلاقتها بغياب الضمائر، فقد فرض على ما يدور حولنا هذا، فما يحدث خطير يهدد الأمن القومى المصرى والعربى ككل وليس أهم من الحديث عنه الآن.
يتساءل كثيرون لماذا فتحت إسرائيل جبهة للحرب مع إيران الآن وهى لم تخلص بعد من وحلتها فى غزة؟ لماذا عومت على السطح الملف النووى كذريعة لبدء الاعتداء؟، رغم عدم حدوث جديد معلن فى الملف النووى لإيران، يجيب بعض الخبثاء على السؤال فيربطون بين زيارة ترامب لدول الخليج العربى وحصوله على مليارات يرون أنها كانت الثمن لردع إيران أمريكياً، إذ يتحسب الخليج العربى لقوتها النووية ونفوذها الشيعى المتوسع والمسبب للصداع السياسى والتوترات داخل دولها بجانب دعمها العسكرى للحوثيين، وأن ترامب هو من أوعز لنتنياهو ليكون رأس الحربة ضد إيران، على اعتقاد أن القوة الإسرائيلية والمدعومة أمريكياً وأوروبياً ستتمكن من دك إيران فى ساعات وإنهاك قواتها وتأليب الشعب للإطاحة بالنظام الإيرانى، وبهذا تنشغل طهران وتتوقف عن العبث فى شئون الآخرين لأمد طويل.
ويسير الخبثاء وراء هذا السيناريو بأن نتنياهو اعتقد أن الضربة لن يكون لها رد يعتد به من إيران خاصة وأن أذرعتها فى حماس وحزب الله منشغلون بلملمة ردائهم بعد تصفية إسرائيل لقياداتهم الهامة، كما أن طهران عليها ألا تراهن كثيراً على حلفائها الكبار، فروسيا غارقة فى وحل أوكرانيا، والصين ستحسب خطواتها بدقة لأن دخولها على الخط لهو مواجهة مباشرة مع أميركا ليس وقتها الآن، وهكذا، كما وجد نتنياهو فى هذه الضربة أيضاً فرصة لشغل شعبه بقضية جديدة خطيرة للإفلات من الاتهام الموجه له بالفشل فى حرب غزة وتكبيد الخزانة خسائر هائلة لم يقابلها تحقيق الهدف المطلوب، ولم يكن من المصادفة تسيير قافلة الصمود لاختراق رفح المصرية والدخول إلى غزة فى هذا التوقيت، وكان معتقداً أن تنجح القافلة بالضغط الدولى فى الدخول لغزة، فتقصفها إسرائيل مع العصابات الفلسطينية المسلحة إسرائيلياً والمناوئة لحماس، والتى يقودها ياسر أبوشباب، وفى خضم الزفة الإسرائيلية الإيرانية، تكون فرصة ذهبية لتعود القافلة للجانب المصرى ومعها آلاف الغزاويين فراراً من جحيم النيران والعالم مشغول بإيران ومخاوف النووى.
يقول الخبثاء إن هذا هو السيناريو الذى كان مطروحاً، لكن رد إيران بقوة -والذى أتمنى أن يكون الواقع مثلما يروج له إعلامنا- أربك التوقعات الإسرائيلية، وبدت النتائج أخطر مما تم حسابها، والآن مع الرد الإيرانى، تصاعدت الأصوات بضرورة التفاف شعوب العالم العربى والإسلامى حول طهران والتغاضى عن اختلاف المذاهب فلم يعد الأمر سنة أو شيعة، بل إما مع إيران أو مع إسرائيل، وتصاعدت أصوات تطالب مصر بانتهاز الفرصة ودعم إيران عسكرياً لإبادة إسرائيل، ولا يدرون أن هذا سيعنى حرباً عالمية ثالثة شاملة لمخاطر استخدام السلاح النووى، ويتجاهلون أن مصر بها ما يكفيها ولا يجب جرها فى حرب بالإنابة، الأحمق أعمى البصيرة هو من يتجاهل أن مصر تحمل على كاهلها الكثير ولا تحتاج إلى المزيد منه لأجل الآخرين، فمنذ بداية التاريخ ارتضت مصر لنفسها مهمات ثقالاً تجاه الدول العربية بل والأفريقية بدءاً من مساعدتها فى التحرر والتخلص من الاستعمار القديم، ثم مساعدتهم لبناء البنى التحتية، دعمهم بالمواقف السياسية القوية لمصلحة وأمن واستقرار هذه الدول وإنهاء الصراعات الداخلية والاقتتال المسلح، ومحاربة خطط التقسيم، وكلها مواقف كلفت مصر الكثير من المال والقوة العسكرية والدخول فى حرب اليمن وحرب ٤٨، مصر لم تبع أو تسلم قضية عربية للعدو ولا للغرب مقابل مصالحها.
فقط أريد أن أذكر كل خائن لمصر من أبنائها، كل كاره أو حاقد على مصر من أشقائها وإخوتها، كل متآمر عليها عربى وإفريقى، كل من تسول له نفسه الرغبة فى الزج بها فى حرب ليست طرفاً بها لإنهاكها وتركيعها، أذكرهم بأن سقوط مصر لا قدر الله سيعنى سقوط دول وممالك تتعلق برقبتها، فكفاكم إثقالاً لكاهلها واستقيموا واعتدلوا وسووا صفوفكم ولا تدعوا الأعداء ينفذون من فرقتكم ولهثكم فرادى وراء مصالحكم على حساب الأمة العرببة، فوالله حين تدور عليكم الدوائر لن تجدوا سوى مصر ملجأ وملاذاً ولكم فى غزو العراق للكويت بإيعاز أمريكى عظة يا أولى الألباب.
وبالمناسبة، المزايدون الآن بقوافلهم أين كانوا منذ بدء حرب الإبادة على غزة؟، أين كانوا فى أكثر من قمة عربية دعت إليها مصر من أجل اتخاذ موقف عربى موحد ضد الكيان الصهيونى؟، فإذا برئيس مصر صوت وحيد يهدر من أجل أبناء غزة كمن يؤذن فى مالطا!!، فيما سارت معونات سرية وتعاون معلن بين الأشقاء العرب وبين إسرائيل بجانب استقبالات تحت الكاميرات مع تقبيل للحاهم ومنحهم الجنسيات، ولا أعرف هل هذا نكاية فى مصر لجعلها تغرد وحيدة خارج سربهم الذى هرول لصداقة العدو؟ أم نكاية فى شعب فلسطين نفسه؟ أم هو غباء سياسى أن يستجيروا بالعدو ضد الأشقاء، لو أردتم تدخل مصر بثقلها أظهروا موقفاً عربياً موحداً ولا تتركوها للمرة الألف لتدافع عنكم فقد أثقلتم كاهلها بما يكفى، مصر لو باعت قضايا إخوتها..إخوة يوسف كما باعوها ألف مرة لقعدت على خزائن الأرض ثمناً لأنها لن تنتظر فى الجب حتى يأتى الذئب.
[email protected]