ذكرياتى (٥)
مع القرية حيث النشأة ومرابع الصبا، وأصدقاء العمر، والأهل والأحباب، قريتى صفط راشين مركز ببا محافظة بنى سويف، يتصل الحديث عن دور وجهاء القرية فى الصلح بين الناس، وأذكر أن والدى رحمه الله أرسلنى يوماً ما إلى أحد محكمى القرية ورجالها المحترمين الحاج أحمد عبدالحكيم رحمه الله ليكون معه فى صلح وإنهاء خصومة، وكان الأمر عاجلاً وملحاً، فأرسلنى والدى وأنا طفل صغير فى المرحلة الابتدائية إليه فى حقله، وكان ذلك صيفاً والصيف على أشده، وكان يوم حصاد محصوله من عباد الشمس، وعنده عدد كبير من العاملين فى الحصاد، وما أن وصلت الحقل، وقلت له والدى يطلبك لأمر مهم، فما تلبث بضع دقائق ربما كانت دون الخمس قام فيها بتوزيع وإسناد المهام، ثم قال لى: اركب خلفى، فركبت خلفه على حمار قوى وسريع له، وأنا أفكر بعقلية الطفل الصغير: كيف لهذا الرجل أن يترك زرعه وماله يوم حصاده، ويهرول معى بهذه الهمة إلى أمر لن يجنى منه أى مكسب مادى، ولم أكن أعى آنذاك قدر الخير والمكاسب المعنوية وراء ما يقومون به من مهام عظيمة، ثم قلت فى نفسى لو لم يقم هذا الرجل العظيم وأمثاله بمهام الصلح بين الناس لاتسع نطاق الخصومات بما قد يصل إلى قتل بعضهم بعضاً، ثم أدركت لاحقاً عظمة ما يقومون به وما يترتب عليه من ثواب عظيم وبركة فى المال والولد وذكر حسن بين الناس، حيث يقول الحق سبحانه : «لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس».
ومن المواقف التى لا تنسى فى حياتى أننى برعت فى سن مبكرة فى العمليات الحسابية بالقياس لنظرائى آنذاك، فقمت فى الصف الأول الابتدائى ودون وجود آلة حاسبة معنا فى ذلك الوقت بحساب عدد الساعات والدقائق والثوانى فى العام، وشاع ذلك فى المنطقة التى أسكن بها، وكنت حريصاً جداً على الصلاة فى المسجد، وعقب عودتى يوماً من صلاة العصر تقريباً مررت على جمع من الجيران الأفاضل من عائلة آل يوسف الكرام وكان كبيرهم فى ذلك الوقت الحاج عبدالله حسن يوسف وكان مهاباً ومقدراً، فقيل له عندما مررت وألقيت عليهم السلام على استحياء منى: هذا الولد يحسب السنة بالثانية، فأراد أن يختبرنى، فأشار إلى أن تعالى فذهبت وسلمت عليه، فقال لى وهو يبتسم فى صورة أستحضرها أمام عينى الآن: كم ثانية فى الأسبوع، قلت له السنة، قال: لا، الأسبوع، ولم يكن معى ورقة ولا قلم، واستحييت أن أطلب ذلك، فقلت لهم: ثوانٍ، أى أمهلونى ثوانى، وكان تحت قدمى رمل فاستعنت على الأمر بالكتابة بإصبع قدمى على الرمل حتى أخرجت الرقم، فأثنى على خيراً ودعا لى، وكان ذلك دعماً وتشجيعاً كبيراً لى فى مرحلة جد مبكرة من حياتى.
ولا أنسى أول خطبة خطبتها بالقرية وأنا فى الصف الثالث الثانوى وكانت الثانوية الأزهرية أيامنا أربع سنوات، وألقيتها بمسجد الحاج فوزى رحمه الله والذى كان الأستاذ عبدالعظيم عبدالوهاب محمد عطوة زوج أختى الكبرى رحمها الله خطيباً له، وقد نالت بفضل الله خطبتى الأولى استحساناً كبيراً شجعنى على المضى قدماً فى مواصلة الخطابة مبكراً، لدرجة أن المرحوم الشيخ يحيى عبد الغفار الفزارى وكان خطيباً متمكناً محبوباً، إذا طرأ له طارئ أو نزلة برد أو نحوها ينتدبنى لأداء الخطبة بالمسجد الذى يخطب به مسجد اللضايمة وأنا لا أزال طالباً فى المرحلة الثانوية ثم الجامعية، وصار أساتذتى يشجعوننى كثيراً على الخطابة والناس يقدموننى للحديث فى كثير من مناسباتهم الاجتماعية.
وزير الأوقاف السابق