ارتفاع أسعار اللحوم والأضاحى ..
عيد «اللحمة» من غير «لحمة»
مواطنون بين المشاركة فى الأضحية والصكوك والانتظار على أبواب الجمعيات
خروف العيد خارج القدرة الشرائية لكثير من المواطنين.. والعجول بالمشاركة
وزارة الزراعة: طرح آلاف الأطنان من اللحوم بأسعار مدعومة لمواجهة الغلاء
180 جنيهاً سعر الكيلو القائم للبقرى.. والضأن يصل إلى 220 جنيهاً
تشهد الأسواق ارتفاعاً جنونياً فى أسعار اللحوم مع اقتراب عيد الأضحى، ما يهدد الكثيرين بضياع فرصتهم فى تناول اللحوم فى العيد المعروف بـ«عيد اللحمة»، ورغم حرص الكثيرين أيضاً على ذبح الأضاحى سواء بالمشاركة فى أضحية جماعية أو شراء صكوك عبر الجمعيات الخيرية، إلا أن ارتفاع الأسعار وصل للأضاحى أيضاً ما يزيد من مشكلة البسطاء الذين قد يجدون أنفسهم محرومين من طعم اللحمة فى العيد أيضاً.
منذ عدة أعوام تتزايد معاناة آلاف الأسر فى مواجهة الارتفاع الكبير فى أسعار اللحوم، التى تخطى سعرها الـ400 جنيه فى العديد من المناطق، وفاقت ذلك كثيراً فى الأحياء الراقية، هذا الارتفاع وصل أيضاً إلى أسعار الأضاحى، حيث تجاوز سعر الخروف فى الأسواق مبلغ الـ10 آلاف جنيه، بينما يتراوح سعر العجل الصغير بين 40 و 60 ألف جنيه، بحسب المنطقة ونوع السلالة ووزن الأضحية. هذا الواقع الاقتصادى الصعب دفع كثيراً من الناس إلى تعديل سلوكهم الشرائى، واللجوء إلى حلول بديلة.
يقول السيد عبدالله موظف، 42 عاماً: من سنة لسنة الأسعار بتزيد، السنة دى شاركت مع 6 أشخاص فى عجل بقرى، علشان نقدر نضحى ونكسب الثواب، غير كده مفيش مقدرة أشترى خروف حتى»
المشاركة فى الأضحية باتت خياراً منتشراً بين الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل، حيث يشترك سبعة أفراد فى عجل، كل بنسبة شرعية تحتسب عليهم كأضحية كاملة، وهو حل يوازن بين أداء الشعيرة وتخفيض التكاليف.
الأضحية عن بعد
من جهة أخرى، اتجه البعض إلى صكوك الأضاحى، وهى آلية توفرها مؤسسات خيرية معتمدة، تقوم بشراء وذبح وتوزيع الأضحية نيابة عن المشترى، مقابل مبلغ يبدأ من 3000 جنيه للصك الواحد.
تقول منى عادل معلمة، 36 عاماً «اشترينا صكاً من جمعية موثوقة. هو أرخص وأسهل، خاصة أننا ما عندناش وقت أو خبرة فى شراء الأضحية وذبحها».
وتابعت: «الصكوك لا توفر فقط تكلفة أقل مقارنة بالشراء المباشر، لكنها تخفف عبء الذبح والتوزيع عن الأسر، وتضمن إيصال اللحوم لمستحقيها».
الجمعيات الخيرية ملاذ الفقير
فى ظل هذا الغلاء، هناك من فقدوا الأمل فى أى من الخيارات السابقة، واضطروا للجوء إلى الجمعيات الخيرية كمصدر وحيد للحصول على لحوم الأضاحى، خاصة مع ارتفاع أسعار اللحوم بشكل مبالغ فيه فى جميع المناطق، ويقول عم محمد عبدالعزيز (عامل باليومية، 58 عاماً): «معنديش قدرة أشترى كيلو لحمة. كل سنة أنتظر الجمعيات تبعت لنا كيس لحمة نطبخ بيه أول يوم العيد».
تحديات اجتماعية
هذا التغير فى أنماط الأضحية يعكس الأزمة الاقتصادية التى يعيشها المواطن، ويطرح تساؤلات عن مستقبل هذه الشعيرة التى تحمل معانى العطاء والمشاركة. فبينما لا تزال هناك عائلات قادرة على شراء الأضاحى كاملة والقيام بالذبح والتوزيع بأنفسهم، يتزايد عدد من يجدون فى المشاركة والصكوك، أو المساعدات، السبيل الوحيد للمشاركة فى روح العيد.
القوة الشرائية.. متراخية
وبدورها، أكدت شعبة القصابين بغرفة القاهرة التجارية على لسان هيثم عبدالباسط، عضو الشعبة، أن ارتفاع أسعار اللحوم فى الأسواق لا يعود إلى رغبة الجزارين فى زيادة السعر، بل يرتبط بعوامل اقتصادية أوسع، أبرزها التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وأضاف عبدالباسط أن مصلحة الجزار تتحقق فى تنشيط حركة البيع وليس رفع الأسعار، موضحاً أن عملية شراء اللحوم تشهد تباطؤاً ملحوظاً فى الفترة الحالية.
وأشار إلى أن أسعار اللحوم البلدية لا تزال عند مستويات «معقولة» بالنظر إلى ارتفاع تكاليف التربية والأعلاف، لافتاً إلى أن معدل التحويل للعجل البلدى لا يتجاوز نصف كيلو يومياً، ما يرفع من كلفة تربيته وبالتالى سعره النهائى.
وفيما يخص الأسعار، أوضح أن سعر كيلو اللحم الكندوز البلدى يتراوح بين 400 و450 جنيهاً، بينما الكندوز المستورد من كولومبيا أو البرازيل يتراوح بين 350 و400 جنيه.
وأشار عبدالباسط إلى أن مصر لا تزال تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق، إذ لا يغطى الإنتاج المحلى سوى 40% فقط من الاستهلاك، بإجمالى نحو 18 مليون رأس من الأغنام والماعز والأبقار، بينما يتم استيراد النسبة المتبقية من دول مثل البرازيل، السودان، إسبانيا وجيبوتى.
وأضاف أن تدخل الشركة القابضة أسهم فى تهدئة الأسعار عبر طرح لحوم مستوردة من السودان وجيبوتى فى المجمعات الاستهلاكية بسعر 285 جنيهاً للكيلو، ما ساعد على خلق توازن جزئى فى السوق.
وتوقع عبدالباسط حدوث انخفاض فى أسعار اللحوم خلال الأيام المقبلة، فى ظل تراجع الإقبال على محال الجزارة، قائلاً: «دلوقتى الجزارة فاضية والسحب كله على المجمعات والمنافذ الحكومية.»
ومن الشعبة أيضاً، أوضح مصطفى وهبة، أن تنامى الإقبال على أسلوب الذبح بالمشاركة أسهم بشكل مباشر فى تخفيف الضغط على الطلب الفردى لشراء رؤوس كاملة، خاصة فى ظل الأعباء المالية الكبيرة التى يواجهها المواطنون خلال الفترة الحالية.
وحول أسعار اللحوم البلدية، أفاد وهبة بأنها تتراوح حالياً بين 400 و450 جنيهاً للكيلو، متوقعاً أن تشهد الأسعار تراجعاً طفيفاً مع اقتراب موسم العيد، نتيجة ضخ كميات إضافية من اللحوم عبر مزارع التربية المختلفة.
كبح جماح الأسعار
وبدوره، أكد حسين أبوصدام، نقيب الفلاحين، أن موسم عيد الأضحى هذا العام يشهد تراجعاً ملحوظاً فى أسعار الأضاحى مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضى، وذلك رغم الزيادة الواضحة فى تكاليف تربية الماشية، مشيراً إلى أن هذا الانخفاض يعود إلى تدخل الدولة عبر حزمة من الإجراءات التى أسهمت فى طرح كميات كبيرة من الأضاحى بأسعار تنافسية، ما أسهم فى كبح جماح الأسعار وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
وأشار أبوصدام إلى أن وزارة الزراعة أعلنت حالة الطوارئ القصوى استعداداً للموسم، حيث وجه الوزير علاء فاروق بتكثيف الحملات الرقابية على أسواق اللحوم لمنع الاحتكار وضمان سلامة اللحوم المعروضة، فضلاً عن تشكيل غرف عمليات مركزية فى جميع المحافظات لتلقى الشكاوى والتدخل الفورى لحل المشكلات التى قد تواجه المربين والمستهلكين على حد سواء.
وفيما يتعلق بالأسعار، أوضح أبوصدام أن سعر الكيلو القائم من العجول البقرى البلدى (وزن أكثر من 450 كجم) يتراوح بين 180 و190 جنيهاً، بينما يسجل الكيلو القائم من الجاموس البلدى بين 160 و165 جنيهاً. أما أسعار الماعز والضأن القائم فتتراوح بين 200 و220 جنيهاً للكيلو، مبرراً هذا التراجع بزيادة المعروض من الأضاحى، مع تراجع فى القدرة الشرائية لدى المواطنين، واتجاه عدد كبير منهم إلى المشاركة فى الأضحية بهدف تخفيف التكلفة.
وشدد نقيب الفلاحين على ضرورة الالتزام بالشروط الشرعية والصحية عند اختيار الأضحية، مشيراً إلى أن من أهم هذه الشروط أن تكون من بهيمة الأنعام (الإبل، البقر، أو الغنم)، وأن تكون قد بلغت السن الشرعية وسليمة من العيوب الظاهرة مثل الجروح، أو الأمراض الجلدية، أو الإسهال، أو العرج والعمى، مؤكداً أهمية الوعى بهذه الاشتراطات لضمان صحة الأضحية وصحة المستهلك على حد سواء.
خطة الزراعة
على الجانب الآخر أكد علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضى، أن الوزارة أعدت خطة متكاملة لاستقبال عيد الأضحى المبارك، ترتكز على توفير احتياجات المواطنين من الأضاحى والسلع الغذائية بأسعار مخفضة، مع الحفاظ على استمرار تقديم الخدمات خلال فترة الإجازة دون أى تأثر، وذلك تنفيذاً لتوجيهات القيادة السياسية، وفى إطار مبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسى لخفض الأسعار.
وأوضح فاروق أن الوزارة وفرت هذا العام أكثر من 12 ألف رأس من الأضاحى البلدية الحية (من الأبقار، الجاموس، الأغنام، الماعز) من خلال المزارع التابعة لسبع جهات إنتاجية تابعة للوزارة، موزعة على مختلف المحافظات، مشيراً إلى أن الأسعار جاءت أقل من مثيلاتها فى الأسواق بنسبة تصل إلى 20%، ويمكن الحجز من خلال الإدارات المختصة التابعة لتلك الجهات.
وأضاف أن منافذ الوزارة المنتشرة بجميع أنحاء الجمهورية بدأت بالفعل فى ضخ كميات كبيرة من اللحوم البلدية والسلع الأساسية، تشمل منتجات الألبان، والدواجن، وبيض المائدة، والخضراوات، والفاكهة، والبقوليات، بما يسهم فى تحقيق التوازن السعرى وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
وأشار الوزير إلى أنه خلال الفترة الماضية، تم استيراد 149,380 طناً من اللحوم المجمدة و158,035 رأساً من العجول الحية، بالإضافة إلى 46,613 رأساً من الجمال و16,579 رأساً من الأغنام، وذلك لطرحها فى الأسواق والمنافذ بأسعار مدعومة خلال فترة العيد.
كما أوضح أن الوزارة قامت بالتنسيق مع عدد من شركات القطاع الخاص لتوسيع مظلة التوزيع خارج نطاق القاهرة والإسكندرية، والوصول إلى عواصم المحافظات والمناطق الريفية، بما يضمن توزيعاً عادلاً ومتوازناً للمعروض من اللحوم والسلع الأساسية على مستوى الجمهورية.
وفى السياق ذاته، شدد الوزير على تكثيف الرقابة البيطرية على الأسواق، ومعارض بيع الأضاحى، وأسواق اللحوم، لضمان سلامة المنتجات والحفاظ على صحة المواطنين، مؤكداً أن المجازر الحكومية ستكون متاحة مجاناً للمواطنين خلال أيام العيد، مع دعمها بأطباء بيطريين للكشف على الذبائح والتأكد من صلاحيتها للاستهلاك الآدمى.
حكم الشرع
من ناحية أخرى كررت دار الإفتاء المصرية إيضاح الرأى الشرعى فى مشاركة أكثر من فرد فى الأضحية مشيرة إلى أن المشاركة فى الأضحية جائزة شرعاً ولكن ضمن شروط واضحة، أهمها أن تكون الذبيحة من فئة الإبل أو البقر، حيث تجزئ البدنة أو البقرة، بشرط ألا يقل نصيب كل مشارك عن السبع، ويجوز اختلاف النيات بين المشاركين، بل مشاركة غير المسلم مع المسلم، شريطة أن تكون النية واضحة لكل منهم، سواء كانت بنية الأضحية أو غيرها.
واستدلت الدار بما ورد فى صحيح مسلم عن الصحابى جابر بن عبدالله رضى الله عنه: «نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية؛ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة»
وأوضحت أن الأضحية من نوع الخراف لا تجزئ، ولا يجوز شرعاً أن يشترك فيها أكثر من فرد، على خلاف البقر والجمال والعجول، التى يجوز الاشتراك فيها.