رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

ولد السير توماس مور (1478-1535)، شهيد الضمير ورمز الثبات الأخلاقى، فى عصر النهضة فى إنجلترا. كان رجلاً من أهل العلم والقانون، وقد رسم فى كتابه يوتوبيا مجتمعه المثالي—رؤية لعصره ونداءً للعدل والعقل. ولكن وراء مثاليته كانت هناك صرامة شخصية قلّما عرفها التاريخ: فقد اختار الموت بدلاً من أن يخون ولاءه لمبادئه. عندما طلب الملك هنرى الثامن منه الاعتراف بسيادته على الكنيسة الإنجليزّية.
فى أمسية هادئة على شاطئ جميرا، تخيّلت هذا اللقاء معه.
أنا : مرحباً بك، يا سيد مور. لا يسعنى إلا أن أعجب بثباتك، لكن هل ترى أن التمسك المطلق بالمبدأ قد يصبح قيداً على الإنسان؟ هيغل يقول إن «الحرية الحقيقية تتحقق عبر التاريخ»، وإن الروح لا تكتمل إلا من خلال الدولة، لا فى معارضتها. أليس رفضك للملك هنرى الثامن رفضاً لحركة التاريخ؟
مور (بتأمل): هيغل يرى التاريخ مساراً لعقلٍ يتطوّر، لكنى أرى أن الضمير أسبق من التاريخ، وأعلى منه. إن ربط الحق بحركة الدولة أو العصر قد يبرّر الطغيان. أنا لم أعارض الملك لمجرد التمعن فى العناد، بل لأن الإيمان لا يباع، والضمير لا يؤجّر.
أنا: لكن ألا ترى أن مكيافيلى كان واقعياً حين قال إن الأمير لا يمكنه أن يحكم بالأخلاق وحدها؟ أليس بعض التنازل أحيانا يصبح ضرورة؟
مور: مكيافيلى فهم السلطة، لكنى أردت فهم الإنسان. ما قيمة السلطة إن أفسدت الروح؟ لأنه بماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ السياسة التى تهدر الضمير لا تبنى دولة، بل سجناً متسع الأرجاء.
أنا: وسقراط؟ هل ترى نفسك امتداداً له؟
مور: نعم، مثل سقراط، لم أطلب النجاة. هو شرب السمّ، وأنا صعدت إلى المقصلة. كلانا اختار الموت الحر، لا الانتحار. كان بالإمكان أن أساير الملك، لكن كيف أواجه الله بعد ذلك؟
أنا: أفكارك قريبة من كانط، ولو أنه جاء بعدك.
مور: الأخلاق المطلقة لا تحتاج إلى عصر. كل من يجعل فعله قاعدة كونية يعيش فى ضوء الحقيقة، لا فى ظلال المصلحة.
أنا: وماذا عن اليوتوبيا التى حلمت بها؟ مجتمع العدالة والعقل، ألا تتعارض رؤيتك المثالية مع موقفك الصارم من الواقع؟
مور: لم أكتب اليوتوبيا لأهرب من الواقع، بل لأفضحه. المدينة الفاضلة هى مرآة تفضح العيوب لا خريطة إصلاح. أردت أن أذكّرنا بأن عالماً آخر ممكن، إن تحدّينا القبح لا سايرناه.
أنا: أخيراً، ما رسالتك لنا فى هذا العصر المضطرب؟
مور (بهدوء): لا تخافوا من الوقوف وحدكم إن كان الضمير هو الرفيق. فكما قلت يوم إعدامي: «أنا خادم صالح للملك، لكننى أولاً خادم لله.»
ودعته وغاب عنى ولكن بقيت معى شهادته على أن الإنسان، حين يختار الحق، لا يموت بل يصبح رمزاً لا تمحوه عواصف الزمن.