وسط وفرة التحليلات النقدية لخطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يُعد كتاب "موت الحقيقة: ملاحظات حول الزيف في عصر ترامب" للكاتبة الأمريكية ميتشيكو كاكوتاني، في صدارة هذه الأعمال. في مقدمته، تشدد كاكوتاني على أن "تآكل الحقائق ليس مجرد مشكلة تتعلق بالأخبار الكاذبة أو المعلومات المضللة؛ إنه هجوم على العقل نفسه، وعلى القدرة على التمييز بين الواقع والخيال، وعلى الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية".
توضح كاكوتاني أن صعود ترامب إلى السلطة لم يكن ممكنًا لولا مناخ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ بات مستعدًا لتقبُّلِ "الحقائق البديلة" وتجاهل الأدلة الواقعية. لقد استغل ترامب بإحكام تراجع ثقة الجمهور في المؤسسات التقليدية، من وسائل الإعلام إلى الأوساط الأكاديمية، ليحل محلها سردياته الخاصة، بصرف النظر عن تناقضها أو زيفها الصارخ. لم يقتصر الأمر على مجرد ترويج لأكاذيب فردية، بل تجاوز ذلك إلى بناء منظومة متكاملة من "الحقائق البديلة" التي تخدم أجندتهُ وتستقطب قاعدة مؤيديه بشراسة.
وانطلاقًا من اعتبار اللغة نتاجًا للوعي الاجتماعيِّ والثقافيِّ، تُدقق كاكوتاني في تحليل المضمون اللغوي للعديد من الخطابات السياسية لترامب. وتصل إلى أنه يواصل هجومه الشخصي على اللغة. يُمثِّلُ تناقض خطابه (لغتهُ الملتوية، مفرداته، رسائله المثيرة للجدل) رمزًا للفوضى التي يخلقها. كما أنه أداة أساسية في قاموسه التمثيلي، فتُبرزُ مقابلاته، وخطاباته المرتجلة، وتغريداته مزيجًا مُذهلًا من الإهانات، وعبارات التعجب، والتباهي، والاستطرادات، والتعليقات غير المنطقية، والتقييدات، والتحريضات، والتلميحات. ويظهر هذا جليًّا في معاناة المترجمين الذين يكافحون لترجمة فوضاه النحوية.
بإضاءة تحليلية دقيقة، تشير الكاتبة إلى أن الأسلوب الدعائي الفريد الذي اتبعه ترامب، والذي اتسم بالتكرار المغناطيسي، والتضخيم الذي يلامس حدود الهزل، والاتهامات المطلقة التي تفتقر إلى أدنى دليل، ساهم بفعالية في تخدير وعي الجمهور تدريجيًّا، وإضعاف قدرته على التمييز بين بريق الصدق وعتمةِ الكذب. لقد أفرزت هذه الاستراتيجية ما تصفه كاكوتاني ببراعة "ضباب الزيف"، غلالةً من الشك والارتباك تجعل من العسير على المواطن الأمريكي العادي أن يتلمس خيط الحقيقة وسط سيل هائل من الادعاءات المتضاربة.
لا تكتفي كاكوتاني بتشخيص هذه المعضلة الخطيرة، بل تغوص عميقًا لاستكشاف جذورها المتشعبة في تربة الفكر الأمريكي، وتصاعد النزعة الفردية الجامحة التي تتجاهل المشترك، وتراجع القيم الإنسانية التي كانت يومًا ما أساسًا للتماسك المجتمعي. وتحذر بجدية، بصوت المفكر المستشرف للمستقبل، من أن استمرار هذا الوضع ينذر بتقويض أسس الديمقراطية ذاتها، تلك المنظومة التي تقوم على الحوار العقلاني المستند إلى الحقائق، لتتحول السياسة إلى مجرد صراع محموم على السرديات العاطفية البحتة، حيث يعلو صوت الخرافة على صوت العقل.
يُعدُّ "موت الحقيقة" أكثر من مجرد كتاب عن مضمون خطابات ترامب؛ إنه بمثابة إنذار شديد اللهجة للشعب الأمريكي بشأن المخاطر الكامنة في الاستهانة بثوابت الصدق وتحريفها بشعاراتِ الخداع. تقدم كاكوتاني تحليلًا نقديًّا مُعمَّقًا لكيفية تحول الزيف إلى قوة سياسية مؤثرة، وتدعو الشعب الأمريكي بإلحاح إلى استعادة قيمة الحقيقة كركيزة أساسية للحفاظ على مجتمع ديمقراطي سليم. يقول الدالاي لاما: "بسبب الافتقار إلى المبدأ الأخلاقي، تصبح الحياة البشرية بلا قيمة".
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض