رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

كنوز الوطن

فى لحظة من أصعب لحظات التاريخ العربى، وفى وقتٍ انكشفت فيه النوايا، وظهر من كان يتاجر بالقضية ويتلاعب بمصير شعبٍ كاملٍ، خرج الرئيس عبدالفتاح السيسى من على منصة جامعة الدول العربية، ليقولها صريحةً لا لبس فيها:

«مهما حدث من تطبيعٍ، فإن السلام لن يحل فى المنطقة إلا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية».

كلماتٌ واضحةٌ، لا تقبل التأويل، ولا يمكن أن تُفهم إلا كما قيلت. لكن ما هو أثقل من هذه الكلمات، هو أن صاحبها أصبح يقف وحيدًا.

منذ الساعات الأولى للعدوان الوحشى على غزة، اختارت مصر أن تضع المبادئ فوق الحسابات. اختار السيسى أن ينحاز للحق، لا للضغوط. أن يرفض التهجير، لا أن يبرر له. أن يُغلق أبواب سيناء فى وجه محاولات فرض واقعٍ جديدٍ على حساب القضية الفلسطينية.

موقف مصر لم يكن عابرًا، ولا خاضعًا للمزايدة. كان موقف دولةٍ تعرف موقعها فى الإقليم، وتدرك حجم المسؤولية التاريخية، وتعلم أن أمنها لا ينفصل عن أمن أشقائها.

لكن ماذا كان المقابل؟ صمتٌ عربيٌ، ومواقف رمادية، وتطبيعٌ بلا شروطٍ، وصفقاتٌ بلا ضميرٍ.

وبينما يتهافت البعض على حجز مقاعد فى قطار «السلام الاقتصادى»، كان السيسى يقول من على منبر الجامعة:

«لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا فلسطين.»

الرئيس السيسى اليوم يدفع ثمن هذا الموقف. ثمن أن تظل مصر هى الرئة التى يتنفس منها الفلسطينيون حين تُغلق الأبواب، وهى الحائط الذى يرفض أن ينكسر أمام مخطط التهجير.

والثمن لم يكن مجرد تشويشٍ إعلاميٍ أو ضغوطٍ سياسيةٍ، بل حملاتٌ ممنهجةٌ، واتهاماتٌ باطلةٌ، ومحاولاتٌ لعزل الموقف المصرى، فقط لأنه رفض أن يكون شاهد زورٍ على نكبةٍ جديدةٍ.

لكن هذا الثمن يُدفع عن وعيٍ، عن اقتناعٍ، عن فهمٍ لطبيعة المعركة.

ما جرى فى الأشهر الماضية فضح الجميع. لم يعد هناك مجالٌ للتجميل أو التبرير. بعض الدول تخلت، والبعض تواطأ، والبعض الآخر استسلم بالكامل.

الرئيس السيسى، فى المقابل، لم يراوغ. لم يختبئ خلف شعارات. لم يهرب من المواجهة. بل أشار إلى أصل الخلل:

إسرائيل لا تريد سلامًا، بل تطبيعًا مجانيًا. لا تسعى لحلٍ، بل لإعادة تشكيل المنطقة حسب مصالحها، وإخراج الفلسطينى من المعادلة.

والأخطر من ذلك: أن إسرائيل لا تكتفى بفلسطين. هى تكره العرب جميعًا، وتعمل وفق خطةٍ طويلة المدى لضرب استقرارهم، وتفكيك أوطانهم، وزرع الفوضى تحت مسمى الأمن.

مصر تفهم جيدًا أن ما يحدث فى غزة ليس معزولًا، بل جزءٌ من تهديدٍ شاملٍ للأمن القومى العربى، اليوم فلسطين، وغدًا لا نعرف أين.

حين تنهار الحدود السياسية، تسقط معها الحدود الأمنية. حين يُفرض التهجير كأمرٍ واقعٍ، تتحول كل الدول إلى مناطق انتظارٍ. والخطر الحقيقى، هو أن يُصبح العربى غير آمنٍ فى وطنه.

كلمة للتاريخ

الرئيس عبدالفتاح السيسى لا يزايد، هو يعرف ثمن الكلمة، لكنه قالها: «لا سلام دون فلسطين». قالها أمام القادة، لا فى بياناتٍ دبلوماسيةٍ ناعمةٍ. قالها وهو يعرف أن ثمنها سيكون العزلة، وربما أكثر.

لكنه اختار أن يقف. اختار الشرف. اختار المبدأ. اختار فلسطين.

وفى زمن المساومات، هذا الموقف لا يُقدر بثمن.