«يا خبر»
فى علم الاتصال السياسى، هناك حيلةٌ يستخدمها البعض عن قصدٍ ويقع فيها البعض الآخر عن جهلٍ، وتسمى «الترسيخ بالترديد». ففى الأيام القليلة الماضية، على سبيل المثال، أُثير موضوعٌ يخص الجاسوس الإسرائيلى فى سورية إيلى كوهين الذى تم إعدامه على الملأ فى ساحة المرجة فى سورية قبل ستين عامًا، وتحديدًا فى 18 مايو 1965، وذلك بعد شهورٍ قليلةٍ من كشف حقيقته. ضجت وسائل الإعلام الإسرائيلية، سواءً مواليةً لنتنياهو أو معارضةً، وكذلك بعض الصحف ووسائل الإعلام الأجنبية، لا سيما الأمريكية والبريطانية، بخبرٍ كان فحواه أنه بعد 60 سنةً على إعدامه، إسرائيل تعيد ما وصفته فى إعلامها بـ «مقتنيات» إيلى كوهين فى عمليةٍ نوعيةٍ، قالت إن الموساد قام بها بدقةٍ. الحديث عن الكيفية التى خرجت بها أوراق هذا الجاسوس شأنٌ آخر سنعود إليه، ولكن بدايةً ما استوقفنى فى الخبر والذى نقلته أيضًا بعض وسائل الإعلام العربية هو مفردة «مقتنيات» التى استخدمتها إسرائيل لوصف متعلقات جاسوسها. الحقيقة أن فيها مغالطةً كبيرةً، وتلاعبًا بالمفردات، فما تم نقله هو «أحراز» قضية التجسس الشهيرة الخاصة بالجاسوس الإسرائيلى وليس «مقتنيات»، والفرق كبيرٌ بين الأحراز والمقتنيات، فالأخيرة تشير إلى متعلقاتٍ - غالبًا ثمينةٍ - يُحتفى بها وبأصحابها، بينما الخبر بصدد «أحراز» أو «مضبوطات» خاصة بقضية جاسوسيةٍ شهيرةٍ، صاحبها تم إعدامه على الملأ. فإن كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية أرادت أن تعظم من جاسوسها وتصف أوراق قضيته بالمقتنيات الثمينة و«القطع الأثرية» وتضع الخبر فى سياقٍ احتفاليٍ، فهذا شأنها وقد سبق وقدمت عنه مسلسلًا فى «نتفليكس» قام ببطولته الممثل البريطانى اليهودى الشهير ساشا كوهين، واليوم تُعدُّ العُدة للاحتفال بالذكرى الستين لإعدامه. لكن كان ينبغى على وسائل الإعلام الأخرى غير الإسرائيلية خاصةً العربية منها أن تضع المفردات فى سياقها الصحيح ولا تقع فى فخ الترديد الذى أرادت به إسرائيل كعادتها ترسيخ معنىً مخالفٍ للحقيقة.
خطورة إيلى كوهين تمثلت فى قدرته على مدار عمله الاستخبارى على تكوين شبكة علاقاتٍ وثيقةٍ كونها مع مسئولين سوريين من أرفع المستويات، بما فيها الجيش ومؤسسة الرئاسة السورية. ونقلت أحراز القضية أن كوهين كون شبكةً ضمت 63 شخصًا من بينهم 17 سيدةً، وكان يستخدم إذاعة دمشق الموجهة إلى المغتربين لبث رسائله بشفرةٍ متفقٍ عليها مع المسئولين عنه فى تل أبيب، وطوال فترة عمله واصل إرسال رسائله بمعلوماتٍ عن المسئولين والجيش والأفراد، وكان متداخلًا مع شخصياتٍ غايةٍ فى الأهمية. كما وضع قدمًا فى الإذاعة السورية حيث تولى الإشراف على البرنامج الغربى، وبذلك تمكن من بث رسائله بحسب شفرةٍ متفقٍ عليها. وذكر ملف القضية أيضًا أنه لحظة القبض على كوهين فى يناير 1965، كان معه جهازان للإرسال اللاسلكى، وحزمة ديناميت، وأقراصٌ سامةٌ للانتحار حاول استخدامها لينهى حياته لكن السلطات السورية لم تمكنه، لكن ورد أيضًا أنه تمكن لحظة القبض عليه من إرسال رسالةٍ فارغةٍ وهذا معناه – بحسب الشفرة المتفق عليها فى الموساد – أنه تم كشفه، وبذلك عرفت إسرائيل لحظة القبض عليه، كما رُوى أيضًا أنه أبلغ الموساد بالقبض عليه عن طريق طريقةٍ لقراءة فقراتٍ من رواية روبنسون كروزو، بطريقةٍ مقلوبةٍ.
عودةً إلى الكيفية التى حصلت بها إسرائيل على أوراق تخص جاسوسها، فقد أعلن مكتب بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الاحتلال، استرجاع 2500 ورقة - نراها نحن رخيصةً كصاحبها ومن جنّده ويرونها هم وثائق - فيها صور ومتعلقات من سوريا لعميل الموساد إيلى كوهين، وزعم الموساد أنها عمليةٌ سريةٌ ومعقدةٌ نفذها جهاز الاستخبارات والعمليات الخاصة، بالتعاون مع جهاز شريكٍ استراتيجيٍ، دون الكشف عنه أو إضافة مزيد من التفاصيل، وفى رأيى أن هذه العملية إن شئنا تسميتها بالعملية ينقصها الكثير من التفاصيل والأطراف، ربما تكشف عنها الأيام القادمة.
الحقيقة أن مصر لها شقٌ خاصٌ بها فى هذا الملف، فكوهين، الذى زرعه الموساد فى سوريا عام 1962، باسم رجل الأعمال والتاجر كامل أمين ثابت، مع هويةٍ مزورةٍ، وُلد فى الإسكندرية عام 1924، وتخرج فى كلية الهندسة جامعة فاروق الإسكندرية حاليًا، وتم اتهامه فى فضيحة «إسحاق لافون» عام 1954 التى كشفت فيها أجهزة الأمن المصرية عن شبكة التخريب التى أنشأها الموساد ولكن كوهين تمكن من الهرب.
وتظهر مصر مرةً أخرى فى هذا الملف عند كشف الجاسوس، فهناك أكثر من روايةٍ عن كيفية سقوط إيلى كوهين، إحداها أنه تم كشفه بسبب رسائل اللاسلكى، والرواية الأخرى والموثقة أن رجل المخابرات المصرى الشهير رفعت الجمال أو جاك بيتون والمعروف باسم «رأفت الهجان» هو الذى تعرف عليه فى صورةٍ مع مسؤولين وتذكر أنه كان مطلوبًا فى قضية لافون، وأبلغ ضابط المخابرات المصرى الشهير محمد نسيم بالأمر، وفى خلال ساعات بأمرٍ من الرئيس جمال عبدالناصر تم نقل الخبر إلى سورية والقبض على الجاسوس إيلى كوهين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض