ليس بالحبر وحده يُكتب التاريخ.
أحيانًا نقرأ التاريخ فى طبق يُقدَّم ساخنًا على مائدة العشاء. هذه ليست مبالغة بل حقيقة شهية، لا تجد لها مثالًا أصدق من المطبخ الأندلسى، ذلك الإرث المتلألئ من أيام الأندلس الزاهرة (والمغرب المعاصرة) حيث تتحوَّل نكهات الطبق الواحد إلى حاشية على هامش حضارة عريقة.
لنبدأ بـ«البسطيلة»، تلك الفطيرة العجيبة ورقائقها الذهبية التى يُنثر عليها السكر والقرفة، وتمزج الحلو بالمالح، كما لو كانت فى حوار فلسفى مع ذائقتك. تصوروا: دجاج مُتبَّل بالقرفة، يُغلَّف بعجينة فيلو رقيقة، ثم تُرشُّ بالسكر الناعم والقرفة. هل هذا طبق عشاء أم حلوى؟ الجواب: نعم، كلاهما! هذه ليست وصفة فحسب، بل رمز لحضارة امتزجت فيها الأعراق والأديان واللغات—من عربٍ وأمازيغ إلى مسلمين ويهود ومسيحيين وقوط وأستوريين، جميعهم يقدِّمون أطباقهم إلى مائدة التاريخ.
من القرن الثامن إلى الخامس عشر، كانت الأندلس أشبه بطاجنٍ حضاريّ ينضج على نار هادئة. هناك، تساكنت المساجد مع الكنائس، وتجاورت مخطوطات بالعربية والعبرية واللاتينية فى مكتبات واحدة. كان الحى الواحد يسكنه شاعر مسلم، وخياط يهودى، وطبيب مسيحى.
وكل هذه الألوان الثقافية لم تُسجَّل فى الكتب وحدها، بل ذابت داخل القدور ورقصت على نشيش المقالى. فى المطبخ الأندلسى، التقت اللوزة بالرمان، والزعفران بالخل، والتمر بالحُمص. وبهذا، لم يكن الخلط بين الحلو والمالح مجرد بدعة طهى، بل تعبير عميق عن فلسفةٍ وجودية: نحن أكثر من هوية واحدة.
لا عجب إذن أن يُستخدم الطعام كأداة دبلوماسية ناعمة. أن تُقدِّم طبقًا من البسطيلة فى مجلس يضم أفرادًا من سائر الملل والنحل، فالجميع سيجد شيئًا يعرفه، وشيئًا جديدًا يفتح الشهية. والطعام لا يرفض أحدًا، ولا يطالب ببطاقة هوية أو بجواز سفر. هو فقط يقول لك: تفضلْ، كُلْ، وتأمَّلْ.
ولأن المجتمع الأندلسى لم يعرف الفواصل الصارمة بين «وجبة رئيسية» و«تحلية»، كذلك لم يعرف الحدود الواضحة بين «دين» و«ثقافة» و«لغة». فالبسطيلة، ببساطة، كانت ولا تزال درسًا حضاريًّا متكاملًا فى طبق واحد.
ألا يُذكِّركم ذلك بشيء؟ ببلدٍ آخر، حديث النشأة، مليء بالتنوع، حيث تلتقى نكهات التاكو المكسيكى مع البيتزا الإيطالية، وتُقدَّم قطع السوشى اليابانية على أنغام الراب؟ نعم، إنها أمريكا الحديثة، التى، شاءت أم أبت، تعيش مبدأ البسطيلة—لكن ربما بدون القرفة أحيانًا.
إن المطبخ الأندلسى يعلِّمنا أن الاختلاط ليس ضعفًا، بل ثراء، وأن الخلطة المتجانسة، وإن بدت غريبة فى أول الأمر، قد تكون ألذ ما يذوقه الفرد منا.
لذا، فى المرة القادمة التى تندهش فيها من طبق لا تعرف إن كنت ستأكله بالشوكة أم بالملعقة، فكِّر فى غرناطة وقرطبة. فكِّر فى رقائق حلوة تحتضن دجاجًا مالحًا. فكِّر فى حضارة رفضت أن تختزل نفسها فى نكهة واحدة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض