الزاد
الثقافة ليست ترفًا... بل شرطٌ أساسيٌّ لبناء الإنسان.
من هنا تبدأ مهمة وزارة الثقافة الحقيقية: بناء الإنسان من الداخل، عبر العقل والوجدان. فالثقافة ليست مجرد حفلات موسيقية أو فعاليات شكلية تقام وتنتهى، بل هى مشروع طويل المدى يستثمر فى العقول والوعى الجمعى.
قصر الثقافة ليس مبنًى من حجر، بل رحم يحتضن الجنين الثقافى المصرى، تمامًا كبطن الأم الذى ينمو فيه الجنين حتى يخرج إلى الحياة بحالة صحية وعقلية سليمة. وإذا ما اختل هذا الرحم أو فقدت عافيته، خرج الإنسان مشوهًا فكريًا، ناقص التكوين. لذلك، أى حديث يقلل من أهمية قصور الثقافة أو يهمش دورها، إنما هو حديث عن خلل فى المنظومة الثقافية نفسها.
لقد تعلمت من خلال احتكاكى المباشر مع وزراء ومفكرين كبار، أن أهمية الوزير لا تقاس بمنصبه، بل بما يتركه من أثرٍ ثقافيٍّ مستدامٍ.
ويظل فاروق حسنى، أحد أبرز وزراء الثقافة الذين مروا على مصر، نموذجًا للوزير المثقف والمفكر، لا لشيء سوى لأنه كان يحمل رؤيةً ثقافيةً عميقةً.
ورغم أننى اختلفت كثيرًا مع فاروق حسنى على صفحات جريدة الوفد، فإنه كان دائمًا يتقبل النقد بصدر رحب، ويقابله بابتسامة ورحابة فكر وسعة صدر. وفى كل مرة كنت أخرج من مكتبه وأنا أشعر بأننى انتصرت للثقافة، لأنه ببساطة كان وزيرًا ينتصر للثقافة حقًا.
لقد سعى من خلال فكره إلى تأسيس بنية تحتية للثقافة المصرية، نذكر منها لا حصرًا:
مشروع القراءة للجميع الذى أتاح مئات الآلاف من عناوين الكتب للمواطن البسيط.
المشروع القومى للترجمة الذى فتح النوافذ على ثقافات العالم.
مهرجان المسرح التجريبى الذى أسهم فى خلق جيل جديد من المبدعين.
متحف الحضارة والمتحف الكبير الذى يفتتح خلال شهرين من بين أهم مشاريعه.
إحياء قصور الثقافة كمراكز إشعاع معرفى وفنى فى عمق المحافظات.
أمر لا بد منه
فى هذه القصور، شاهدنا أهم العروض المسرحية من نصوص مصرية وعربية وعالمية، وتعرفنا على الأفلام العالمية، وحضرنا عروض الفنون الشعبية، وشاركنا فى أمسيات الشعر. هذه ليست رفاهية، بل صناعة وعى. وبدون هذه الصناعة، يصبح المجتمع هشًا فى وجه التطرف والجهل.
إن الرهان على الثقافة هو الرهان على المستقبل، وما دون ذلك، مجرد تفاصيل.
فى ظل ما نشهده من تراجع فى السلوكيات العامة، سواء فى الملاعب أو على منصات التواصل الاجتماعى أو حتى فى الشارع، يصبح من الضرورى أن نلتفت إلى جذور الأزمة، لا إلى مظاهرها فقط. لقد أصبح واضحًا أن التعليم وحده لا يكفى، والرياضة وحدها لا تهذب، بل إن الثقافة والفن هما جناحا التهذيب الحقيقى للنفس والسلوك.
قصور الثقافة، تلك القلاع التى كانت منارات للفكر والفن والمسرح والسينما والغناء، اختزل دورها وتوارى حضورها. فى الماضى، كانت هذه القصور بيوتًا حقيقية للموهوبين، ومتنفسًا للشباب، وبديلًا راقيًا عن جلسات المقاهى واللهو غير المجدى. كانت تملأ فراغهم بالفائدة، وتغرس فيهم قيم الجمال والانتماء والتسامح.
أنا ابن من أبناء محافظة مطروح، وتحديدًا من مدينة مرسى مطروح، تعرفت على السينما المصرية لأول مرة من خلال سينما قصر ثقافة مطروح، وتفتح وعيى على الأدب العربى والعالمى - أدب نجيب محفوظ وغيره من الكبار - من خلال مكتبة القصر. شاهدت عروضًا مسرحيةً وندوات شعريةً وعروضًا للفنون الشعبية داخل هذا القصر، الذى لم يكن مجرد مبنى، بل كان نافذتنا على العالم. أبناء مصر فى الأقاليم فى أمس الحاجة اليوم لإحياء دور قصور الثقافة، فهم الأولى بالاحتضان والتنوير والتمكين الثقافى.
الممثل المسرحى، الشاعر، الملحن، المطرب، المخرج، الأديب... كل هؤلاء خرجوا من قصور الثقافة. كانت هى الجدران التى تجمع الموهوبين، والسقف الذى يستظل به كل باحث عن الثقافة. أين أندية الشعر؟ أين رواد الأدب؟ أين ورش المسرح والرسم والحرف والفكر؟ الكل الآن مشغول باللقطة، بالظهور، بالصورة التى تجمعه مع المشاهير، لا بالمضمون ولا بالموهبة.
لقد ابتعدنا عن الجذور، وتخلينا عن المؤسسات التى كانت تصنع الإنسان.
بناء الإنسان المصرى، ذلك الهدف الجوهرى الذى أكده الرئيس عبدالفتاح السيسى فى خطاب تكليف الحكومة الجديدة، يجب أن تكون له نقطة انطلاق حقيقية من الثقافة والفن، ولا توجد منصة أقدر على حمل هذا الدور من قصور الثقافة. هذه المؤسسات ليست مجرد مبانٍ، بل هى أدوات الدولة الأهم فى تشكيل الوعى الجمعى، وغرس القيم، ومواجهة التطرف، وبناء الشخصية السوية.
لكن بناء الإنسان لا يمكن أن يكون مسؤولية وزارة الثقافة وحدها، بل هو خطة شاملة تتقاطع فيها أدوار وزارات التعليم، والشباب، والإعلام، والصحة، والتنمية المحلية، والجامعات، والمدارس، والمجتمع المدنى.
ولا أعلم، هل نسى بعض الوزراء أن هذا التكليف الرئاسى موجه إليهم جميعًا؟ كأن البعض يتعامل مع «بناء الإنسان» وكأنه شعار عابر، أو مهمة تكميلية، فى حين أنه لبّ المشروع الوطنى كله.
اليوم، وفى ظل الاحتقان الرياضى والمشاحنات بين الجماهير والمسؤولين، واللغة العدائية التى أصبحت تملأ الشاشات ومنصات «السوشيال ميديا»، أصبح من الواضح أننا فى حاجة ماسة إلى «حائط صد ثقافى»، وإلى إعادة الاعتبار للفن الهادف الذى يهذب الذوق ويرتقى بالوجدان.
إعادة الروح لقصور الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة وطنية.
إذا أردنا إنقاذ شباب مصر، فلا بد أن نعيد فتح تلك الأبواب المغلقة، ونملأ المسارح بالعروض، والقاعات بالكتب، والساحات بالمواهب. إن فى الفن والثقافة قدرة لا يضاهيها علاج على إعادة بناء الإنسان المصرى السوى.
الناس فى الأقاليم مظلومةً ثقافيًا وفنيًا، رغم ما تمتلكه من طاقات ومواهب فطرية حقيقية، لكنها تفتقر إلى الفرصة والرعاية والاحتواء. هؤلاء أولى بالاهتمام، وأحق بأن تمد لهم جسور الثقافة والفن كما تمتد للمدن الكبرى.
أعيدوا قصور الثقافة... تَعُدْ لمصر ريادتها وبهاؤها، ويعد لشبابها سلوكهم المتزن وروحهم النقية.
«كما لا يحيا الجسد دون خبز، لا ينهض العقل دون ثقافة»
هذه شهادة أحد أبناء الأقاليم... فإما أن تصغوا إليها بإنصافٍ، وإما أن تلقوا بها وراء ظهوركم، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض