شهدت الأيام الماضية حالة جدل واسعة فى المجتمع المصرى وعلى وسائل الإعلام بمختلف أنواعها وصفحات ومواقع التواصل الاجتماعى و«السوشيال ميديا»، صاحبت تحرك البرلمان والحكومة لفتح مناقشات وحوار حول تعديلات قانون الإيجار القديم، وامتد واشتد الجدل والنقاش والانقسام فى وجهات النظر والرأى والمواقف حول التعديلات المطروحة من الحكومة بين رافض ومؤيد، وسط مطالب عديدة بإعادة النظر فى مشروع القانون بما يضمن إحداث التوازن فى العلاقة بين المالك والمستأجر دون الانحياز إلى طرف ضد الآخر.
طوال السنوات الماضية انتظرنا اتخاذ خطوات وتحركات جادةً من الدولة لاقتحام ملف الإيجار القديم، ذلك الملف الشائك والمعقد والذى يرتبط بأمن وسلم المجتمع نظرًا لأنه يمس ملايين المواطنين، مما يستوجب الحيطة والحذر فى تناول هذا الملف واقتراح التعديلات التشريعية حتى تتحقق حالة التوازن المنشودة وتحقيق العدالة فى حصول كل طرف على حقه دون الانحياز لرأى طرف أو التعسف ضد الطرف الآخر.
البرلمان بادر باتخاذ خطوة إيجابيةً بدراسة ملف الإيجار القديم والقوانين الإيجارية من أجل وضع رؤى وآليات واضحة لسيناريوهات الحل، والحكومة تقدمت بمشروعى قانون، الأول: بشأن بعض الأحكام المتعلقة بقوانين إيجار الأماكن، والثاني: بتعديل بعض أحكام القانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٦ بشأن سريان أحكام القانون المدنى على الأماكن التى انتهت أو تنتهى عقود إيجارها دون أن يكون لأحد حق البقاء فيها. وتم إحالة المشروعين إلى اللجان المختصة وعلى رأسها لجنة الإسكان لدراستهما ومناقشتهما وإجراء حوار مجتمعى حولهما. وعقدت اللجنة المشتركة اجتماعات وجلسات موسعة على مدار الأسبوعين الماضيين، واستمعت اللجنة إلى الحكومة والوزراء المعنيين وعدد كبير من أعضاء مجلس النواب ورؤساء اللجان وأساتذة الجامعات والخبراء والمتخصصين، ثم استمعت لممثلى الملاك والمستأجرين.
وعلى مدار الأيام الماضية تابع الرأى العام المصرى باهتمام متزايد مجريات المناقشات تحت قبة البرلمان بشأن قوانين إيجار الأماكن الاستثنائية، المعروفة إعلاميًا بـ«الإيجار القديم»، لما لهذا الملف من خصوصية شديدة وتشابكات اجتماعية واقتصادية متراكمة عبر عقود، ولذلك يدرك مجلس النواب أهمية التأنى فى المناقشات والدراسة الدقيقة للنصوص التشريعية المقترحة المطروحة، وأهمية التوسع فى الاستماع إلى جميع الأطراف المعنية من المالك والمستأجر والسعى بكل جدية إلى تقريب المسافات وبلورة رؤية توافقية شاملة لحل إشكاليات ملف الإيجار القديم.
وهنا يجب التأكيد على طمأنة جميع الأطراف، بأنه لن يطرد أى مواطن من مسكنه، وأن أى زيادة فى القيمة الإيجارية لا بد أن تخضع لمعايير العدالة والتدرج فى الزيادة، وأن يحدث ذلك بالتوافق دون ظلم أى طرف، واحترام حق الملكية. لذلك أثمن رسائل الطمأنة التى وجهها المستشار الدكتور حنفى جبالى رئيس مجلس النواب، فى الجلسة العامة لمجلس النواب يوم الأحد الماضى، بتأكيده على أن مجلس النواب يدرك حساسية هذا الملف، ويتعامل معه واضعًا نصب عينيه مسؤولياته الدستورية تجاه الوطن والمواطن على حد سواء، وأنه قد برهن المجلس، منذ انطلاق فصله التشريعى الحالى، على إرادة واضحة للتعامل مع القضايا الشائكة بمنهجية تقوم على الحوار والشراكة والتوافق، مجسدًا التزامه العميق بأحكام القضاء، وعلى رأسها أحكام المحكمة الدستورية العليا، وساعيًا إلى ترسيخ توازن دقيق بين حق الملكية والحق فى السكن الملائم.
وأرى أن استمرار جلسات الحوار والاستماع المعقودة فى مجلس النواب أمر ضرورى مع إذاعة هذه الجلسات على الهواء ليتابعها الرأى العام المصرى وإشراك المواطنين والمتخصصين فى طرح الرؤى والحلول، فالنقاش لا يزال مفتوحًا، وجلسات الاستماع تُعقد بشفافية غير مسبوقة وهى مستمرة حتى تتبلور رؤية تشريعية متكاملة تضمن السلم المجتمعى وتحقق العدالة بين جميع الأطراف دون انحياز، وبما يحقق الصالح العام ويرضى ضمير الوطن والمواطن.
وهنا أود التأكيد على ضرورة فتح ملف الإيجار القديم والتعديلات التشريعية المقترحة بشأنه داخل الحوار الوطنى الذى أطلقه الرئيس عبدالفتاح السيسى ويضم جميع فئات وأطياف المجتمع والخبراء والمتخصصين. فيجب عقد جلسات استماع وحوار اجتماعى موسعة يشارك فيها كل الأطراف: الملاك والمستأجرون والخبراء وأساتذة القانون وغيرهم، حتى يتم من خلال هذه الجلسات الحوارية وضع رؤية متوازنة تضمن إقرار حلول توافقيةً وواقعيةً وعادلةً تحقق التوازن بين حقوق المالك وحقوق المستأجر، وأن يتم طرح جميع الأمور بشكل علنى على الرأى العام المصرى والتعامل بشفافية وصراحة مطلقة مع هذا الملف الشائك والمعقد.
وأن يكون الحوار الوطنى حول ملف الإيجار القديم بالتوازى مع جلسات الاستماع التى تعقد فى البرلمان حتى يتسع الوقت للاستماع إلى مختلف وجهات النظر والمؤيدين والمعترضين وخطة كل طرف للتعامل مع سيناريوهات الحل المعروضة، وبالتالى تكون جلسات الاستماع فى الحوار الوطنى مكملةً لجلسات الحوار فى البرلمان وتخرج بأفضل الحلول الممكنة بالشكل الذى يرضى الجميع.
آن الأوان أن توجد حلول حاسمة وجذرية لهذا الملف وأن تتم معالجته بكل جرأة ومنح كل صاحب حق حقه، وأن يتم مراعاة البعد الاجتماعى والاقتصادى للفئات غير القادرة والبسطاء من المستأجرين وطمأنتهم، وكذلك الحفاظ على حق الملكية، لنخرج من الحوار الوطنى والمجتمعى بحلول توافقية تغلق هذا الملف نهائيًا.