رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

قال لى صديقى العزيزُ، السيدُ عبدُ الوهابِ، صباحًا: لم يعد ينقصُ جيلَنا سوى حربٍ عالميةٍ ثالثةٍ لتكتملَ دورةُ أحداثِ التاريخِ بالكاملِ. مساءً، بدأت الهندُ هجومًا على باكستانَ، لتزيدَ العالمَ، المشتعلَ أصلًا بنزاعاتٍ عسكريةٍ وحروبٍ اقتصاديةٍ، اشتعالًا جديدًا. نبوءةُ صديقى التشاؤميةُ الساخرةُ عكست بدقةٍ الإحساسَ الجمعيَّ بأنَّ العالمَ يعيشُ على حافةِ الانفجارِ المستمرِّ، وكأننا نعيدُ إنتاجَ المآسى الكبرى فى صيغٍ أشدَّ فتكًا وأكثرَ تعقيدًا. نبوءةُ صديقى لم تكنْ إلا ترجمةً صادقةً لشعورِ جيلٍ كاملٍ أنهكتهُ الجوائحُ، واستنزفتهُ الحروبُ، وأرهقتهُ الانهياراتُ الاقتصاديةُ، وأحاطتهُ الكوارثُ المناخيةُ، حتى أصبحتِ الكوارثُ جزءًا من يومياتِهِ.
التصعيدُ الأخيرُ بين الهندِ وباكستانَ ما هو إلا تذكيرٌ مرعبٌ بأننا نعيشُ فى عالمٍ مسلَّحٍ نوويًّا، حيث أيُّ شرارةٍ قد تتحولُ إلى كارثةٍ عالميةٍ. وبين البلدينِ تاريخٌ طويلٌ من العداءِ وصراعاتٍ لم تُحلَّ جذورُها بعدُ. وكأنَّ العالمَ لم يتعلمْ شيئًا من الحربِ الروسيةِ الأوكرانيةِ التى لا تزالُ مشتعلةً، تُرهقُ النظامَ الدوليَّ كلَّهُ دونَ أن تُنهكَ طرفَيْها. هذهِ المؤشراتُ وغيرها تدفعُ إلى التساؤلِ: من يُشعلُ فتيلَ الانفجارِ فى عالمٍ يقفُ فعلًا على فوهةِ بركانٍ؟
نعيشُ فى مرحلةٍ مفصليةٍ من التاريخِ، حيث تتواترُ الأزماتُ وتتقاطعُ، وتتعاظمُ معها التهديداتُ، وتبدو العلاقاتُ الدوليةُ وكأنها رقصةٌ على حافةِ الهاويةِ. التنافسُ بين القوى العظمى يحتدمُ، والسباقُ نحو التسلُّحِ يتسارعُ، والنظامُ الدوليُّ باتَ فوضويًّا أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى.
هى رقصةُ نارٍ على طبولِ الحربِ، هذا هو المشهدُ الذى يرتسمُ أمامَ أعينِنا ونحن نتابعُ عالمًا يزدادُ اضطرابًا، وفى زمنٍ تُقادُ فيه القراراتُ المصيريةُ بمنطقِ القوةِ، وتُستعرضُ فيه الأسلحةُ فى العلنِ أكثرَ من الأفكارِ، صراعاتٌ تتوسعُ، ميزانياتُ تسليحٍ ترتفعُ، تحالفاتٌ عسكريةٌ تُعقدُ علنًا، وأزماتٌ تتكاثرُ فى كلِّ الأركانِ. كلُّ ذلك ونحن نرقصُ جميعًا، مدفوعينَ بالخوفِ أو الطموحِ، على طبولِ حربٍ باتَ وقعُها مألوفًا فى الأذنِ العالميةِ.
هذه الرقصةُ ليستْ عشوائيةً، بل موزونةٌ بنغمةِ المصالحِ، وإيقاعِ الردعِ، وخُطى التهديداتِ النوويةِ. رقصةٌ تُجيدُها القوى العظمى جيدًا، بينما تتعثرُ الدولُ الضعيفةُ فى خطواتِها، أو تُداسُ ببساطةٍ تحتَ أقدامِ الراقصينَ.
وفقًا لتقريرِ معهدِ ستوكهولم الدوليِّ لأبحاثِ السلامِ (SIPRI) الصادرِ فى أبريلَ 2025، بلغ الإنفاقُ العسكريُّ العالميُّ فى عامِ 2024 مستوىً قياسيًّا قدرُهُ 2.718 تريليونَ دولارٍ أمريكيٍّ، بزيادةٍ قدرُها 9.4% عن العامِ السابقِ، وهى أعلى نسبةِ زيادةٍ سنويةٍ منذُ نهايةِ الحربِ الباردةِ. الولاياتُ المتحدةُ على رأسِ القائمةِ بإنفاقٍ قُدِّرَ بـ 997 مليارَ دولارٍ، تليها الصينُ بـ 314 مليارًا، ثم روسيا بـ 149 مليارًا. أما الدولُ الإقليميةُ الفاعلةُ، فقد رفعتْ بدورِها ميزانياتِها الدفاعيةَ بشكلٍ ملحوظٍ، إذ أنفقتِ الهندُ 86.1 مليارَ دولارٍ، فى حين خصصتْ باكستانُ 10.2 مليارًا فقط. إسرائيلُ بدورِها قفزتْ بإنفاقِها العسكريِّ إلى 46.5 مليارَ دولارٍ بزيادةٍ 65% على العامِ السابقِ، بينما بلغتْ ميزانيةُ إثيوبيا العسكريةُ حوالى 1.03 مليارَ دولارٍ.
هذه المؤشراتُ تقولُ إنَّ العالمَ يقفُ على فوهةِ بركانٍ، ولكنَّ السؤالَ المُلِحَّ: من سوف يبادرُ بإشعالِ فتيلِ الانفجارِ؟ والسؤالُ الثانى الذى لا يريدُ أحدٌ أن يسمعَهُ وسطَ هذا الصخبِ: من سيتوقفُ أولًا؟ ومن سيسقطُ مع تصاعدِ الإيقاعِ؟ وهل مع كلِّ هذا الجنونِ من يتذكرُ أنَّ تحتَ كلِّ هذه الأقدامِ، هناك بشرٌ، ومدنٌ، وأطفالٌ ينتظرونَ الحياةَ، لا أن تُدمرَهم النيرانُ؟
فى عالمٍ تحكمُهُ الواقعيةُ الدوليةُ فى نسختِها الأكثرِ وحشيةً، باتتِ الأخطارُ لا تُقاسُ فقط بعددِ الدباباتِ أو الطائراتِ، بل أيضًا بمدى هشاشةِ المنظومةِ الدوليةِ، وانهيارِ آلياتِ الردعِ، وتراجعِ فاعليةِ المؤسساتِ الأمميةِ. فى عالمٍ تُهيمنُ عليه لغةُ المصالحِ والقوةِ، تبقى احتمالاتُ الانفجارِ قائمةً… فقط ننتظرُ من يُشعلُ الفتيلَ.