رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

تتكرر الأسئلة من بعض القراء حول مدى تطابق نظريات المؤرخين الكبار، مثل ابن خلدون وإدوارد جيبون، مع الواقع المعاصر، وخاصة النموذج الأمريكى. للإجابة عن هذا السؤال، من الضرورى فهم بعض المفاهيم الجوهرية فى نظرياتهما وتقييم مدى ملاءمتها للظروف الاجتماعية والسياسية فى الولايات المتحدة اليوم.
فى كتابه «المقدمة»، ركّز ابن خلدون، على مفهوم «العصبية» كقوة دافعة لنهضة الأمم وسقوطها. يمكننا ملاحظة بعض أوجه التشابه بين تراجُع العصبية فى المجتمعات التقليدية وواقع المجتمع الأمريكى اليوم الذى يعانى انقسامات متزايدة بين الفئات الاجتماعية والثقافية. يظهر ذلك فى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، والتفاوت الكبير فى مستويات التعليم، حيث تشير الدراسات إلى أن أغلبية أنصار الرئيس دونالد ترامب لم يحصلوا على تعليم جامعى. كذلك، يبرز تزايد الحدة فى الصراع السياسى بين الحزبين الرئيسيين، الجمهورى والديمقراطى، وهو ما يعزز خطاب الانقسام الذى يغذيه الخطاب الشعبوى.
لكن، كما أن ابن خلدون يرى أن العصبية تتراجع مع تنامى الترف، يمكننا أن نلاحظ أن ذلك قد يتوافق جزئيًا مع تحديات المجتمع الأمريكى المعاصر، ولكن قد تتخذ العصبية فى هذه الحالة أشكالًا حديثة مثل العصبية الثقافية أو السياسية.
أما إدوارد جيبون، فقد تناول فى مؤلفه «انحدار وسقوط الإمبراطورية الرومانية» الظواهر الاجتماعية والأخلاقية التى ساهمت فى تدهور الإمبراطورية، مبرزًا الإفراط فى السعى وراء اللذة، وهو ما يمكن أن يراه البعض سمة بارزة فى المجتمع الأمريكى اليوم، سواء فى الإسراف الاستهلاكى أو فى عادات الأكل والشرب، مثل الأحجام الكبيرة للوجبات، شاهد مثلا الفيلم الوثائقي(Supersize Me) 2004 فى سلاسل الوجبات السريعة مقارنة ببقية أنحاء العالم نجد أنّ الحجم الكبير أكبر بنسبة ٨٩٪ فى الولايات المتحدة منه فى المملكة المتحدة.
ومع ذلك، من المهم أن نتذكر أن تحليلات جيبون تستند إلى تجارب الإمبراطورية الرومانية، والتى تختلف جذريًا عن تجربة الولايات المتحدة من حيث البنية الاجتماعية والسياسية والموارد. فالتحدى الحقيقى يكمن فى مدى قدرة الولايات المتحدة على معالجة هذه القضايا وإحياء التزامها بالقيم المشتركة، مثلما كان لدى روما الفرصة للتصحيح ولكنها فشلت فى ذلك.
على الرغم من اختلاف السياقات التاريخية التى ينتمى إليها كل من ابن خلدون وجيبون، فإن كلًّا منهما اعتمد على العقلانية والأدلة التجريبية فى تحليل التاريخ. فقد أكد ابن خلدون، كمفكر فى العصر الإسلامى الوسيط، مبدأ السببية ورفض الخرافات، فى حين وظّف جيبون المصادر التاريخية للكشف عن أثر الفساد الأخلاقى والسياسى فى انهيار روما.
وفى المحصلة، يتجلى تركيز ابن خلدون على مفهوم العصبية والدورات التاريخية، بينما يحذّر جيبون من تداعيات الانحطاط الأخلاقى، ورغم اختلاف الأطر الزمنية والثقافية التى انطلقا منها، يظل تأثيرهما حاضرًا فى فهم نشوء الحضارات وسقوطها.