الناصية
هل ما نراه فى المسلسلات الشعبية من ضرب وزعيق وصراخ هو نقل واقعى لما يجرى فى شوارعنا.. أما أن هذه المسلسلات هى التى نقلت أعمال البلطجة إلى شوارعنا وهى السبب فى تدنى أخلاقنا، وهى مخلّقة من أفلام الحركة الأمريكية العنيفة ولا علاقة لها بالواقع المصرى؟
منذ فترة اقتحم فى الفجر لاعب كرة قدم مشهور أحد المولات ومعه ما بين 10 و15 شخصًا واعتدى على الأمن الإدارى بدعوى أن زوجته تعرضت للتحرش وتراخى الأمن فى التعامل مع الواقعة.. فذهب هو والبلطجية ليأخذ حقه بيده.. وكان يمكنه أن يذهب إلى الجهة المنوط لها بتقديم الشكوى، وهى قسم الشرطة، للحصول على هذا الحق، إذا كان له حق.. ولكنه لم يذهب وذهب يأخذه بنفسه.. وكأنه هو القانون.. فهل كان هذا السلوك هو الجانب التطبيقى لما سمعه من قبل فى فيلم الجزيرة عندما صرخ بطله أحمد السقا بأعلى صوته فى الشارع قائلا: من النهارده مفيش حكومة.. أنا الحكومة!
ومنذ أيام حدث اصطدام بين باص مدارس وسيارة سيدة، التى قامت بالاتصال بزوجها الذى جاء مع أولاده وقاموا بتحطيم الباص فى وسط الشارع.. مع إن الإجراءات القانونية واضحة والقانون واضح فى الحوادث المرورية.. ولا تحتاج حتى إلى محام طالما لا يوجد ضحايا، وبمجرد المعاينة من ضابط الشرطة يتم تحديد المخطئ وتتولى شركات التأمين الإصلاح.. ولكن ما يحدث غير ذلك تماما وكأننا بلا قانون حيث يقوم الأفراد، من مختلف الفئات الاجتماعية، والمستويات التعليمية، بأخذ حقهم بأيديهم وكأننا فى غابة لا يوجد فيها أجهزة أمن أو قانون!
وقبل سنوات واجه الفنان محمد رمضان انتقادات حادة بأنه وراء انتشار حالات العنف بين الشباب فى المناطق الشعبية بعد فيلم «عبده موته» وقد تزامن ذلك مع زيادة ظهور مغنى المهرجانات فى الأفلام بكل ما تتضمن أغانيهم من «خناقات» وتهديد ووعيد للمنافسين!
أعتقد أن الدراما تنقل الواقع، ولا تصنع واقعًا من عدم.. ولا أحد يستطيع أن ينكر أن متغيرات كثيرة جرت فى الشارع المصرى وفى أخلاقياته منذ أحداث يناير 2011.. والإرهاب والتطرف الدينى لعب دورا كبيرًا فى التقليل من دور الدولة وأجهزتها ومن عدالة القوانين، وكان ذلك بطريقة ممنهجة ومدروسة لفرض سطوتهم وسيطرتهم باسم الدين دون سطوة وسيطرة الدولة..!
كل ذلك جعل الناس تتجرأ على بعضها البعض وعلى أجهزة الدولة ولا أقول إن الأقوياء اجتماعيًا وماليًا هم الذين يأخذون حقهم بأيديهم بعيدًا عن القانون والأجهزة المعنية، وأن الفقراء هم الذين يضطرون للذهاب إلى قسم الشرطة للحصول على حقوقهم.. والحقيقة أنها حالة عامة تخص كل الناس!
وهذا يذكرنى بمقال «النوافذ المكسورة» لعالمى الاجتماع الجنائى جيمز كيو. ويلسون، وجورج ل. كيلينج عام 1982، وملخصه أنَّ القبول بأى اختلال للنظام العام، مهما كان بسيطًا، يفتح الباب أمام الاعتداء على النظام كله حتى يصل إلى مستوى الفوضى التامة. وإذا تم غض النظر عن إصلاح نافذة مكسورة، يجعل من كسر النافذة المجاورة لها فعلًا عاديًا (وليس انحرافًا عن السلوك الطبيعى)، وهو ما قد يقود فى نهاية إلى اقتحام المبنى أو تحوُّل المنطقة إلى مرتع لتجار المخدرات وزبائنهم... ولهذا يدعو العلماء إلى ضرورة مواجهة السلوكيات الإجرامية البسيطة وكل مظاهر اختلال النظام العام غير المتعمدة بقوة وحسمٍ وبلا تهاون، لأن إهمالها والتقليل من تأثيرها قد تؤدى تدريجيًا إلى مشكلات كبرى.. وقتها لن ينفعنا لاعب كرة قدم ولا غيره!
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض