رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

"منطق الطير" هى قصيدة فارسية من تأليف الشاعر الصوفى فريد الدين العطار. قرأنا هذه القصيدة الرائعة فى دورة دراسية فى جامعة ماكغيل فى مونتريال. كان حضور هذه الدورة فى منتصف النهار بمثابة نعمة، حيث كانت المعدة خالية والقلب معدًا لاستقبال الذبذبات الروحية المنبعثة من النصوص الصوفية فتملؤه بالطمأنينة.
فى هذا العمل الأدبى البديع، تلتقى الطيور فى عالمٍ يكتنفه الضباب، لتحسم أمرها فى اختيار ملكٍ يقودها، فهى بلا قائد، وتعيش فى ضياع. ومن بين هذه الطيور، يبرز الهدهد، أذكى الطيور، ليلهمها بالحكمة ويقترح عليها أن تبحث عن طائر "السيمورغ" الأسطورى، ذلك الكائن الذى يحمل فى طيات أجنحته الحكمة الكونية.
يقود الهدهد الطيور فى رحلةٍ شاقة عبر سبعة وديان، كل وادٍ منها هو امتحان روحى عميق يعكس تجارب الإنسان. أولها وادى "الطلب"، حيث يتخلى السائر عن كل قيدٍ عقائدى ثم يعبر إلى وادى "العشق" الذى يذيب العقل فى محبةٍ عميقة: "فى هذا الوادى، يُمثّل الحب بالنار، والعقل بالدخان. عندما يشتعل الحب فى لهيب، يتبدد العقل فورًا كالدخان. لا يمكن للعقل أن يتواجد جنبًا إلى جنب مع جنون الحب، لأن الحب ليس له علاقة البتة بالعقل البشرى... كل ذرة فى العالم وجودها مرهون بوجود الحب".
يلى ذلك وادى "العرفان" حيث يصبح العلم الدنيوى عديم الجدوى فى وجه الحقيقة العليا. يتبع ذلك وادى "الاستغناء" الذى يتخلى فيه السائر عن كل رغباته، فيهتز الواقع الذى اعتقد فى ثباته، ليجد نفسه فى مواجهة الحقيقة المجردة.
ويستمر السائر فى رحلته عبر وادى "التوحيد" حيث يدرك أن كل شيء فى الكون مرتبط بعضه ببعض، متصل بوشائج التناغم، منوط به نعمة الخلود. فى وادى "الحيرة"، يسقط السائر فى فخ الجمال الربانى، فتغرقه الحيرة فى غياهب اللافهم، ليكتشف أنه لم يكن يعرف شيئًا قط. وأخيرًا، فى وادى "الفقر والفناء"، يذوب السائر فى الكون، ويصبح خارج الزمان والمكان، فيجد نفسه فى حالةٍ من البقاء الأبدى.
تستمر الطيور فى الرحلة رغم الخوف والمخاطر، حيث يتساقط البعض منهم عطشًا أو مرضًا، وآخرون يسقطون ضحايا للوحوش أو العنف. وفى النهاية، يصل ثلاثون طائرًا فقط إلى مسكن السيمورغ، ليكتشفوا أن السيمورغ ليس إلا أنفسهم فاسم "سيمورغ" فى الفارسية يعنى ثلاثين طائرًا، فى إشارة إليهم. هنا يتناغم كشف الظاهر مع حقيقة الباطن ويدرك الظل ارتباطه بنور مصدره.
فى هذا السياق، تتكشف الرمزية العميقة التى حملتها قصيدة العطار، إذ يصبح السيمورغ مرآة تعكس الذات الإنسانية. ما يبحث عنه الإنسان فى الخارج، موجود فى داخله. بهذه الرمزية تدعونا هذه القصيدة أن نتجاوز المظاهر السطحية للعالم، وأن نغوص فى أعماق النفس لنكشف عن الحقيقة التى لطالما كانت داخلنا.