رؤية
القمة العربية التى تُعقد اليوم فى القاهرة، ليست كأى قمة سابقة. إنها حدث استثنائى وتاريخى، لا أبالغ لو رأيتُ أنه يحدد مصير الأمة العربية كلها فى الوقت الحاضر، ويرسم الصورة التى ستكون عليها فى المستقبل.
تأتى هذه القمة فى مفصل غير مسبوق ربما طوال قرن كامل، حيث تتربص الأطماع الإسرائيلية بالدول العربية كلها، وخاصة دول الجوار وعلى رأسها مصر والأردن وسوريا، إضافة إلى أن دولة الاحتلال تكشف بشكل سافر عن سعيها لتصفية القضية الفلسطينية تماماً وتهجير أهالى غزة بالقوة، ثم التحول إلى تهجير سكان الضفة.
هذه البلطجة الإسرائيلية ليست سوى خرق سافر ومفضوح للقوانين الدولية، حيث تستغل حالة الفراغ والتصدع فى المؤسسات الأممية وعلى رأسها الأمم المتحدة التى بات واضحاً أنها تتخبط فى الفوضى السياسية التى تجتاح العالم وتعيده إلى قانون الغاب. كما أن جنون العصابة الإسرائيلية يحتمى بالسقف الأمريكى الذى أعلن صراحةً انحيازه الكامل للكيان الصهيونى لتنفيذ حرب الإبادة الجماعية ضد الأبرياء العزل فى القطاع المنكوب خلال ولاية جو بايدن، ثم رغبة دونالد ترامب فى تهجير الأهالى بالقوة، وهو ما يُعتبر جريمة تطهير عرقى حسب كافة الأعراف والمواثيق الدولية، ناهيك عن بشاعتها الأخلاقية.
القمة التى تشهدها القاهرة اليوم تأتى فى إطار استكمال الاجتماع الطارئ الذى عقد فى الرياض يوم 21 من الشهر الماضى بمشاركة قادة دول مجلس التعاون الخليجى، إضافة إلى مصر والأردن، وكان يمثل محاولة أولية لصياغة موقف عربى موحد إزاء التطورات المتسارعة والخطيرة التى تستهدف تصفية القضية الفلسطينية. وقد اتفق القادة خلال هذا الاجتماع المصغر على ضرورة وضع رؤية واضحة لمواجهة التحديات، خاصة فيما يتعلق بإعادة إعمار غزة ورفض أى مخطط للتهجير القسرى. وتأتى قمة القاهرة اليوم لاستكمال هذه الجهود ضمن إطار أوسع يشمل جميع الدول العربية وليس فقط الدول المشاركة فى اجتماع الرياض.
وقد حرصت مصر، بالتنسيق مع جامعة الدول العربية، على تحقيق مشاركة واسعة فى القمة لضمان نجاحها. ورغم تأكيد حضور معظم القادة العرب، إلا أن الرئيس الجزائرى عبدالمجيد تبون كلَّف وزير الخارجية بتمثيل الجزائر، احتجاجًا على ما اعتبره «غيابًا للتنسيق الكامل مع الجميع واقتصار الإعداد على بعض الدول»، وهو ما أتمنى شخصياً ألا يحدث مع قادة ورؤساء آخرين لأن الظرف لا يحتمل الخلافات، ويحتم تكاتف الجميع خاصة أن الدول العربية فى مركب واحد تتلاطم حوله الأمواج، ولا سبيل إلا الاتحاد وتنحية النزاعات لأجل التوصل إلى طرق حقيقية للنجاة.
إن الشعوب العربية كلها تعقد آمالاً كبيرة على هذه القمة، تنتشل العرب من الاستضعاف والهوان والأطماع الاستعمارية المسعورة التى تستهدف قضم الجغرافيا ونهب الثروات، إضافة إلى رغبة ملايين العرب فى أن تخرج هذه القمة بقرارات عملية وواقعية لدعم الفلسطينيين والانتصار لحقوقهم وتضحياتهم، بدلاً من الاكتفاء ببيانات دبلوماسية ناعمة. كما تأمل الشعوب العربية أن تكون القمة نقطة انطلاق لسياسة عربية موحدة تعزز الحضور العربى فى المشهد الدولى، وتطوى صفحة الماضى التى تصور العرب على أنهم فريسة سهلة للأطماع الاستعمارية، سواء من قوى الاستعمار الكلاسيكية مثل أوروبا وأمريكا، أو العصابة الصهيونية الاستعمارية الحديثة فى «تل أبيب».
إن كل عربى حر يتجه بقلبه وعينه اليوم إلى القاهرة، عسى أن تتكلل القمة بنتائج تشفى الأوجاع التى عاشها طوال عام ونصف وهو يرى مذابح أشقائه فى غزة على مرأى ومسمع من العالم، ويأمل فى أن يتفق القادة العرب على قرارات حاسمة ورادعة ضد مخططات التهجير القسرى، وبدء خطة إعادة إعمار غزة، وتوحيد الجهود الدبلوماسية العربية للضغط على المجتمع الدولى من أجل تحقيق تسوية عادلة وشاملة، تضمن حق الفلسطينيين المشروع فى إقامة دولتهم المستقلة دون تسويف ولا مماطلات.
كانت مصر، حسب الوقائع التاريخية، تمثل حصن الأمان للأمة العربية كلها ضد الأطماع الاستعمارية، وهى التى حملت على عاتقها التصدى للمغول والحملات الصليبية فى الماضى، وأنا على ثقة أن قمة القاهرة اليوم ستكون خطوة حقيقية للتصدى لأطماع «المغول الجدد».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض