باب السماء .. عارض فكرة «تلحين القرآن»
محمود على البنا.. صوت الأرض الطيبة
رحلة استمرت مع القرآن قرابة (48) عاماً قضاها الشيخ محمود على البنا مقرئ الأرض الطيبة كما كان يطلق عليه، فقد اتفق أهالى المنوفية على تسمية هذه المحافظة بهذا الاسم «الأرض الطيبة» وهذا يعود لسببين هما أنها تقع فى أخصب أراضى الدلتا، وثانيهما اهتمام أبناء المنوفية بتلاوة القرآن ما أفرز قراء مشاهير منهم، الشيخ عبدالفتاح الشعشاعى، وعبدالرحمن الدروى، وعبدالعزيز على فرج، ومحمد محمود الطبلاوى، وشعبان الصياد، ومحمود البجيرمى، لكن أشهرهم تعبيراً فى تلاواته عن روح الأرض التى نشأ منها هو الشيخ «البنا».
ولد الشيخ محمود على البنا فى عام 1926 بقرية «شبرا باص» مركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية، وهناك تعلم العلوم الإسلامية وحفظ القرآن الكريم بكتاب القرية، وهو فى الحادية عشرة من عمره وكانت هوايته تقليد صوت كل شيخ يصل صوته إلى أذنه، فكان يقرأ القرآن بصوت الشيخ محمد السعودى قارئ مسجد السيد البدوى فى ذلك الوقت، ثم عشق صوت قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت وبدأت رحلته مع القرآن الكريم بعد انتقاله إلى معهد المنشاوى الدينى بطنطا.
وقد وفد الشيخ «البنا» إلى القاهرة عام 1945، وتقابل وقتها فى احتفال دينى مع اللواء محمد صالح باشا حرب رئيس جمعية الشبان المسلمين الذى عرض عليه أن يفتتح المحاضرات التى تقيمها الجمعية فى ذلك الوقت كل ثلاثاء، وكانت تحضر هذه المحاضرات شخصيات عربية اتخذت من مصر وطناً لها أمثال عبدالكريم الخطابى وعلال الفاسى والملك السنوسى وغيرهم.
وفى عام 1948م أقامت جمعية الشبان المسلمين حفلاً دينياً كعادتها كل عام، وكان الحفل مذاعاً من دار الأوبرا، على الهواء مباشرة، وعندما صعد الشيخ البنا للمنصة لتلاوة القرآن، اعترض المذيع فى ذلك الوقت بحجة أن الشيخ البنا غير مقيد بالإذاعة، ولا بد أن يكون معتمداً بها، فتدخل صالح باشا لدى رئيس الإذاعة ليستأذن للشيخ بالقراءة على أن يأتوا بعد ذلك فى المرات القادمة بقارئ معتمد، وأجرى له اختبار وفاز فيه بالمركز الأول وتم اعتماده قارئًا بالإذاعة. وجاءت بداية الشيخ «البنا» مع الإذاعة فى أعقاب عودة الشيخ مصطفى إسماعيل لقراءة القرآن بها بعد طول انقطاع، وكان ظهور الشيخ «البنا» فى دولة التلاوة مع تألق شيوخ كبار مثل محمد رفعت وعبدالفتاح الشعشاعى ومصطفى إسماعيل وعبدالرحمن الدروى وأبوالعينين شعيشع وغيرهم، وقد لفت صوت «البنا» انتباه الجميع منذ بدايته الأولى، فقدمته الإذاعة فى برامج المناسبات الخاصة، ومن ذلك فإنه كان أول قارئ فى برنامج الإذاعة للاحتفال بذكرى وفاة الملك فؤاد الأول، ذلك البرنامج الذى غطى كامل إرسال الإذاعة فى يوم الخميس 22/4/1941، وكانت مشاركة الشيخ البنا فى البرنامج بتلاوة ما تيسر له من سورة «آل عمران» فى السابعة من صباح ذلك اليوم، وفى ذكرى المولد النبوى الشريف والتى صادفت يوم الأحد 1/1/1950 نشرت مجلة «الإذاعة المصرية» بالصفحة الثانية والعشرين من عددها رقم (772) الصادر فى 30/12/1949م أول صورة للشيخ البنا، هذا وقد رفع الشيخ البنا أذان جميع الصلوات فى ذلك اليوم لأول مرة بالإذاعة.
واختير الشيخ « البنا» للقراءة بمسجد الرفاعى ضمن مسابقة نظمتها وزارة الأوقاف وكان المسجد وقتها تابعاً للأوقاف الملكية وفى الخمسينيات انتقل إلى مسجد عيد الحياة بشارع مصر والسودان ليعود بعد ذلك إلى طنطا التى تلقى فيها علومه الأولى بمعهدها الدينى، ليقرأ القرآن الكريم بالمسجد الأحمدى لأكثر من عشرين عاماً، ثم نقل إلى مسجد الإمام الحسين بالقاهرة خلفاً للشيخ الحصرى وظل به حتى وفاته.
ولما ذاعت شهرته خارج مصر، تلقى عدة دعوات شخصية لإحياء ليالى رمضان من كل من الكويت وأبوظبى وغيرهما، كما أوفدته وزارة الأوقاف للعديد من الدول العربية وكذلك إلى بعض الدول الأسيوية كالهند وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا، وسافر إلى النمسا فى حفل افتتاح أول مسجد بها، وذهب إلى المانيا بدعوة من هيئة الاستعلامات لزيارة الجمعيات الإسلامية بفرانكفورت، وبون، وكولونيا وميونخ وكذلك لندن وباريس.
بكى الشيخ «البنا» فى ماليزيا عندما كان رئيساً للجنة التحكيم فى المسابقة الدينية الدولية للقرآن وذلك عندما مرت أمام المنصة مجموعة من الطلبة الصغار وهم يتكلمون الأردية لغتهم، وكانوا يرددونه بالعربية «رمضان.. رمضان يا شهر القرآن» هنا فاضت الدموع من عينيه على هذه التلقائية الدينية.
وفى المدينة المنورة وفى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلج صوته وهرب منه لرهبة المكان، فكيف وهو المخلوق الضعيف أن يقرأ القرآن على من أنزل عليه القرآن، وقرأ على قدر استطاعته، وفى اليوم التالى قرأ أفضل من سابقه، فقد شعر بأنه نال تصريحاً من قبل رسول الله.
عارض الشيخ «البنا» فكرة «تلحين القرآن» والتى كانت راودت البعض، لأن القرآن موسيقى بطبعه، فآياته وكلماته موسيقية ولا سيما، إذا كان القارئ جيداً، وهذا لا يمنع من إلمامه بفنون الموسيقى، كأن يعرف العزف على العود مع حفظه بعض الموشحات القديمة، ويعرف أيضاً المقامات الموسيقية كالصبا والنهاوند، لأن القرآن به آيات تبشير ووعيد ونذير وتخويف.
وقد عمل الشيخ البنا نائباً لرئيس نقابة القراء التى أنشئت بقرار جمهورى فى عام 1984م ووافق عليه مجلس الشعب وقتها اختير لرئاستها الشيخ عبدالباسط عبدالصمد والشيخ «البنا» نائباً له، والشيخ محمد الطوخى أمينا لصندوقها، والشيخ أحمد الرزيقى سكرتيراً لها وخمسة عشر عضواً آخر.
نجاحات كثيرة حققها «البنا»، فمن عمله كقارئ للسورة فى عدد من المساجد الكبرى مثل «الأحمدى» بطنطا ومساجد الملك والرفاعى والحسين بالقاهرة ومروراً برحلاته إلى كثير من الدول الإسلامية، إضافة إلى تسجيله القرآن فى ختمتين إحداهما مجودة والأخرى مرتلة، وانتهاء بتكريمه من الدولة بمنح اسمه وسام العلوم والفنون وتعيينه كوكيل أول مجلس نقابة قراء مصر، إضافة إلى مآثره وتواضعه والتى تمثلت فى أمور ثلاثة، منها إنشاؤه لمجمع إسلامى فى مسقط رأسه بقريه شبرا باص، وإحياؤه مآتم الفقراء كثيراً دون مقابل، ووفاؤه حيث إنه واظب على إحياء ذكرى الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كل عام حتى لقى ربه راضياً مرضياً، فى يوم السبت 20 من شهر يوليو 1985 م، رحم الله ذلك النبع الفياض الذى لن يجف ماؤه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض